[VOLUME_LABEL], No. 211 · [ISSUE_DATE_GREGORIAN]

الرسالة

مجلة أسبوعية للأدب والعلوم والفنون

السنة [VOLUME_NUMBER] · من ص [PAGES_START] إلى ص [PAGES_END]

الضعف في اللغة العربية

للأستاذ أحمد أمين

أبنت في مقالي السابق أعراض الداء ووعدت القارىء أن أعرض في المقال التالي للعلاج.

وقد قرأت في الصحف وصفاً لعلاج قيل إن مكتب التفتيش في وزارة المعارف اقترحه، وخلاصته زيادة الحصص للغة العربية ، وتوسيع مكتبة التلميذ . وأظن أن هذا علاج ليس كافياً ولا شافياً ، وأنه لا يلاقى المرض في الصميم ، وأنه لا يقدّم في الموضوع ولا يؤخر ، فلو ضاعفنا الحصص والمعلم على حاله من النقص ، والمنهج كما هو من الضعف، لم نصل إلى نتيجة ولم تتحسن حالة المرض.

إنما العلاج الحقيقي في إصلاح المعلم وما إليه من منهج وامتحان وتفتيش ، فالمعلم الآن تخرجه ثلاثة معاهد : دار العلوم والأزهر وقسم اللغة العربية في كلية الآداب . وكلها معيبة بعيوب أبنتها في مقالي السابق ، فلا بد للإصلاح من توحيد تلك الجهود الموزعة والاقتصار على معهد واحد يسلح بكل أنواع الأسلحة الملائمة .

وعندى أن أصلح معهد لذلك هو « دار العلوم » ، فتاريخها القديم في التعليم ، وسبقها الأزهر في هذا الباب ، يجعلان المصلحة

في بقائها ؛ وكذلك صبغتها الدينية ، وما بين اللغة العربية والدين من صلة وثيقة يجعلها أصلح من قسم اللغة في كلية الآداب ، ولكنها في شكلها الحاضر غير صالحة ، بل لابد لإصلاحها من أمور :

(۱) فصلها عن وزارة المعارف وتبعيتها للجامعة أسوة لها بكل المدارس العليا التي كانت تابعة للوزارة كالمعلمين والهندسة والزراعة والتجارة . فالجامعة أوسع حرية وأكثر استقلالاً، والحرية والاستقلال أصلح للنحو العلمي والرقى العقلي.

(۲) إعادة النظر فيها من جديد : في نظامها وبرامجها ، فقد بليت وأكل عليها الدهر وشرب ، ولم تعد أساليبها التي كانت صالحة منذ عشرين عاماً صالحة الآن ؛ على أن يشرف على وضع هذه النظم جماعة من خيرة رجال مصر ثقافة وعقلا وسعة تفكير وعلماً بمناهج التربية.

(٣) أن تكون الدراسة فيها مقصورة على المواد العلمية ، وبعد الانتهاء يدرس المتخرج سنة أو سنتين أساليب التربية في معهد التربية.

(٤) أن يعاد إنشاء تجهيزية دار العلوم لتغذى دار العلوم ، على أن تكون مدرسة ثانوية تابعة للجامعة أيضاً، ويعاد تنظيمها بخير مما كانت ، فيتوسع فيها في الدراسة الدينية من قرآن وتفسير ، وحديث وما إلى ذلك، وتدرس فيها لغة أجنبية حتى يخرج الطالب منها مساوياً للطالب في المدارس الثانوية الأخرى ومتفوقاً في اللغة العربية والدين الإسلامي ، وخريجو هذه المدرسة يغذون دار العلوم وقسم الفلسفة في كلية الآداب ونحو ذلك ، ويكون في دار العلوم دروس في اللغة الأجنبية أيضاً تتم ما درسه الطلبة في المدرسة الثانوية.

(٥) تكون الدراسة فى دار العلوم دراسة قاسية شديدة دقيقة ، في الانتقال وفى الامتحان ، فلا يسمح لضعيف ولا متوسط الكفاية أن يخرج من هذه المدرسة لأنها ستكون - على ما أعتقد – أفعل مدرسة في رقي الأمة وتكوين عقليتها والنهوض بحياتها .

هذا هو في نظري أهم علاج لضعف اللغة العربية ، فالحصة من هذا المعلم الكفء خير من مائة حصة من معلم غير كفء؛ وقديماً قالوا : « ضربة المعلم بألف ».

* * *

ويلى هذا في الإصلاح إصلاح برامج التعليم ؛ فالحق – كما قلت – أنها برامج متأخرة توضع على عجل وتنفذ على عجل ، والفرق بين برنامج قديم وبرنامج حديث فرق ضعيف لا يمس الأصول . واذكر أن وزارة المعارف كانت كلفت ثلاثة كنت أحدهم في وضع برامج اللغة العربية سنة ١٩٢٨ ، فاجتهدنا في النحو أن ندمج أبواباً بعضها في بعض ونحذف أبواباً لا يترتب عليها عمل في كتابة صحيحة أو نطق صحيح ، وحذفنا كل منهج البلاغة القديم .. ووضعنا مكانه منهجاً جديداً كل الجدة ، ولم نضع منهجاً لأدب اللغة إلا في السنتين الأخيرتين من المدارس الثانوية ، أما السنوات الثلاث الأولى فقصرناها على قراءة نصوص في الأدب نثراً ونظماً وتذوقها ومعرفة موضع الجودة فيها وتكليف الطلبة حفظ الكثير منها واحتذاءها ، ولكن – مع الأسف – أهمل هذا المنهج بل وضاع أيضاً.

فمناهج اللغة العربية وخاصة في المدارس الثانوية محتاج إلى ثورة تقلبها رأساً على عقب تبسط فيها المصطلحات وتخفف منها الأبواب القيمة ويقتصر فيها على ما ينتج استقامة اللسان والقلم. ولو ألف في وزارة المعارف هيئة فنية « مراقبة » للبرامج ووضعها وطريقة تنفيذها لكانت أفضل من كل المراقبات الأخرى لأن هذا هو العمل الأساسي للوزارة وما عداه تبع له .!

وليس عمل برنامج اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية من الأمور السهلة ، فهو يحتاج إلى دراسة المناهج السابقة من أول وضعها ، ويحتاج إلى دراسة المناهج للغات الحية الأخرى في الأمم المختلفة للاستفادة منها والاتصال بتلاميذ المدارس في مراحلهم المختلفة لمعرفة مقدار عقليتهم وهكذا ...

ثم الامتحان له كبير أثر في ضعف اللغة ، لأن التلاميذ عندنا اعتادوا أن يقرءوا للامتحان ، ويتعلموا للامتحان ، وبقدر صعوبة الامتحان والتشديد فيه تكون عناية الطلبة .

والامتحان فى اللغة العربية معيب من وجهين : من وجهة

ورقة الامتحان فانها في أغلب شأنها نظرية لا عملية وتعتمد على الذاكرة والحفظ أكثر مما تعتمد على التفكير والعمل ، واللغة أداة للتعبير ، والغاية منها تقويم القلم واللسان فيجب أن يرمى الامتحان إلى هذه الغاية ؛ أما أن تكون الأسئلة فيما هو التشبيه الضمني ، وما هي الاستعارة المكنية ، وأثر الثقافة اليونانية في الثقافة العربية ، فأسئلة لا يصح أن تكون في المرحلة الأولى ولا الثانية من التعليم، إنما تكون بعد أن يستكمل الطالب الجانب العملى

وكذلك من جهة التصحيح ، فقد استولى على مصححى اللغة العربية نوع من العطف أشبه ما يكون بالعطف على المجرم فلا يناقب ، وبعطف الأم الجاهلة على ابنها فلا تؤديه ، وأخشى أن يكون هذا التقليد في تصحيح اللغة العربية موروثاً عن رجلين أحدهما المستر دنلوب وكان ينصح بالتساهل في اللغة العربية لأنه لم يكن يهمه أمر قوتها ، وثانيهما المرحوم الشيخ حمزة فتح الله فقد طبع على الرحمة التي لا حد لها ، وشاع عنه أن لكل مسألة وجهين ، ثم انحدر هذا التقليد من السلف إلى الخلف.

.. والمصححون يبنون تساهلهم على فكرتين باطلتين : أولاهما أن اللغة العربية هي اللغة الأصلية فلا يصح أن يرسب الطلبة فيها وهذا خطأ ، لأن لغتنا الأصلية هي اللغة العامية لا اللغة العربية الفصحى وشتان ما بينهما ، ولو كانت هي لغتنا الأصلية ما شكونا هذا الضعف ؛ وثانيتهما غلبة الرحمة عليهم وقد أبنا ضررها .

وليس أدل على فساد الامتحان من حسن النتيجة المثوية مع ضعف الطلبة ضعفاً نضج منه جميعاً بالشكوى . أمن المعقول أن نلمس هذا الضعف ثم تكون نسبة النجاح فوق الثمانين في المائة ؟

كل هذا جعل التلاميذ يهزءون باللغة العربية ولا يعيرونها التفاتا ، ويحترمون اللغة الأجنبية والرياضة لأن الاحترام عندهم تابع لنسبة النجاح ، فكلما كانت النسبة قليلة كانت العناية بالعلم أقوى؛ وليس ينسى أحد منا العبارة التي تدور على ألسنة الطلبة وهي أنهم إذا سمعوا طالباً يجتهد في استذكار اللغة العربية قالوا : له « وهل يسقط أحد في العربي ؟ » .

ثم لهم طريقة في التصحيح ليست صحيحة ، فهم لا يقومون الورقة ككل ، ولكن يجزئونها جزئيات صغيرة ثم يضمون درجة على كل جزء فيحدث أن الطالب يأتي بأخطاء شنيعة تدل على الجهل التام ومع ذلك ينجح ، حتى يخيل إلي أن التلميذ إذا أعرب « في البيت » في حرف جر والبيت مفعول به منصوب لأعطوه ٥٠٪ على صحة إعرابه « في » وخطئه في إعرابه « البيت »

ومالي أذهب بعيداً وقد حدث في هذا العام أن كانت فتاة قريبة لى تمتحن في البكالوريا ، فجاءت يوم امتحان اللغة العربية وقالت : لقد أعربت « كفى حزنا » كفى فعل أمر وحزناً مفعول به، أليس كذلك ؟ فقلت : نعم ليس كذلك ، وقالت: لقد قلت إن من خطباء العصر الأموى أبا بكر الصديق وعلى بن أبي طالب ، أليس كذلك ؟ فقلت أيضاً : نعم ليس كذلك ، وأطلعتني على بقية الأجوبة فأيقنت برسوبها ؛ ولو كان لي الأمر ما أنجحتها مهما أجادت بعد هاتين الغلطتين الفظيعتين ، ولكني دهشت أشد الدهش لنجاحها !

أنا كفيل بأن سنة واحدة توضع فيها ورقة الامتحان عملية أكثر منها نظرية ، ويشدد فيها في التصحيح شدة حازمة تساوى الشدة في تصحيح الرياضة واللغة الأجنبية ، كافية في أن يوجه الطلبة عنايتهم الكبرى للغة العربية فيزول الضعف وتحسن النتيجة

ولا ننسى أن التفتيش بعد ذلك له أثره ، فلو حدد الغرض منه لبانت قوته الحالية أو ضعفه ، فليس المفتش جاسوساً يضبط الجريمة ، ولا هو عداد يعد موضوعات الانشاء والتمرينات ، ولا غرضه الأول أن يقول إن كلمة كذا ليست في القاموس ، كلا ولا غرضه الأول أن يكتب عن المدرس أنه جيد أو ممتاز أو ضعيف ، إنما مهمته الأولى حسن توجيه المعلمين إلى تحقيق الغرض من دراسة اللغة العربية والوصول بالطلبة والمدرسين والكتب والمناهج إلى أرقى حد مستطاع ، وبمقدار تحقيق هذا الفرض أو عدم تحقيقه يكون الحكم على قيمة التفتيش

إذا أصلح المعلم والمنهج والامتحان والتفتيش صلحت اللغة العربية في المدارس . وهذا هو العلاج الوحيد الصحيح ، أما ما عداه فعلاج غير حاسم ولا ناجع

أحمد أمين

أدب الموافقة

للأستاذ عباس محمود العقاد

أعتقد أن قيمة الكاتب موصولة صلة خفية بمقدار ما يستجيشه من روح الثورة . ولعلى أقترب من صحة التعبير إذا قلت روح المقاومة . إذ لست من الحمق بحيث أتخيل أن كتاب الجناح الأيسر وحدهم هم أصحاب المزية الفنية »

« قلت محتجاً على صاحبي : إن أجمل الآثار الفنية ومنها الآثار التي يكتب لها الشيوع بعد ظهورها كثيراً ما كانت في بداية الأمر مقصورة في عرفان قدرها على فئة بجد قليلة . وناولته كتاباً اتفق أن كان معي ساعتئذ قائلاً : إليك فاقرأ . إن بتهوفن نفسه قد جرى عليه مثل ذلك » .

« تدفعون الفنانين بينكم إلى الموافقة . ومن أبى من خيرتهم المنتقاة أن يبتذل فنه ألجأموه إلى السكوت ، فتعود الثقافة التي تزعمون خدمتها وإيضاحها والذود عنها وهي وصمة عار عليكم »

« مهما يكن من جمال العمل الفني في بلاد الجمهوريات الشيوعية الروسية فهو يعيب صاحبه إن لم يكن على النسق المرسوم . إن الجمال عندهم خلة من خلال الموسرين ، ومهما يكن من عبقرية الفنان فهو مصدوف عنه عفواً أو قسراً إن لم يعمل على النسق المرسوم ، فكل ما يطلب منه الموافقة ، وهو ضامن بعدها كل ما عدا ذلك »

« إذا اضطر العقل اضطراراً إلى الاذعان لكلمة الأمر فأقل ما هنالك أنه قادر على الاحساس بفقد الحرية . أما إذا سيس العقل بمن بداية الأمر سياسة توحى إليه أن يذعن قبل أن تأتيه كلمة الأمر فقد بلغ من فقده أن يفقد حتى الشعور بالإستعباد. وإنى لأعرف من أجل هذا أن كثيراً من الفتيان الشيوعيين يستغربون ويمعنون في الانكار إذا قيل لهم إنهم محرومون نعمة الحرية »

« إن خير الوسائل التي يبلغ بها الكاتب مزيته العالمية لهي مواهبه المتفردة كل التفرد . لأن المرء إنما يكون بشراً أعرق

الانسانية بفرط ما فيه من الخصال الفردية ، فما كان روسي أعرق روسية من مكسيم جوزكي ، وما أصغت أسماع العالم إلى كاتب روسي أشد من إصغائها إليه »

***

تلك شذرات من الكتيب اللطيف الطريف الذي كتبه الأديب الفرنسي الكبير « أندريه جيد » بند عودته من البلاد الروسية ، متحريا فيه ما تعود أن يتحراه من الصدق والصراحة والاعتراف بالخطأ والانفة من الاصرار عليه ذهابا مع الغرور والكبرياء . وقد كان من نصراء الدولة الروسية الحديثة وأصحاب الرجاء العظيم في تجاربها ومساعيها . فلما شهد الحقيقة بعينيه لم يخادع نفسه ولم يغالط حسه، وعاد يأسى ويأسف في لهجة منزهة عن السفينة والتشهير، ولكنها تشف عن خيبة الرجاء في كثير من الأمور.

فالثقافة هي مقياس الصلاح في كل نظام .

أما مقياس الثقافة فهو الابتكار والحرية ، أو هو « المزايا الشخصية » التي يعبر عنها الفنان والشاعر والكاتب كما قررنا ذلك وأعدنا تقريره مرات ، ولا نظنه اليوم في غنى عن التقرير

لا أمل في نظام حكومي أو نظام اجتماعي لا تقترن به ثقافة العلوم وثقافة الفنون

ولا أمل في ثقافة نعرف ما تنتجه قبل أن ينتج ، ونستغنى عما تصوغه قبل أن نطلع عليه ، لأنه لن يعدو ما تعلم وما تظن من موضوع ومن غاية ومن قالب ومن تصوير وتفكير .

وقد نسي « جيد » أن الكاتب الروسي في ظل الشيوعية مطالب بشيء غير « الموافقة » وأصعب تحصيلاً على طالبه من الموافقة : لأنه إذا وافق الروسيين الخاضعين للأمر والوحي والالهام فمن الواجب أن لا يوافق القراء الغرباء الذين لا يخضعون لأمر ولا يصدرون عن وحي أو إلهام . وويل للكاتب الروسي الذى يصاب باستحسان العالم لما يكتب ويبتلى بتقريظ النقاد في بلاد رأس المال لما يمثله من شعور ويرمز إليه من آمال ويشابه به الآدميين الموسرين من عواطف وأحلام وأفكار

تلك إذن خيانة ، تلك إذن مخالسة وخديعة ، تلك إذن مؤامرة بين الكاتب وبين نظام رأس المال ، ويكفي أن يتشابه الانسان الشيوعي والانسان « البورجوازي » في بعض العواطف والأحلام لتثبت دلائل المؤامرة كل الثبوت، أو يثبت شذوذ الكاتب عن خلائق الشيوعيين ، لأنه إنسان كسائر الناس !!

ومن أضاحيك القوم أن تصدر رواية لبعض أعلامهم بالانجليزية والفرنسية والشيكية ولما تصدر بالروسية ، ونعنى بها رواية « محن » لمؤلفها الكاتب الروسي النابغ « زمياتين » الذي يدين بالثورة ولكنه يدين بآمال لبني الانسان وراء آمال الشيوعيين .... فيقول الناقدون الحكوميون الحصفاء : وماذا عسى أن تكون تلك الآمال ؟ أليس هذا دليلاً على أن الكاتب يخامره شعور كشعور الموسرين الذين فقدوا غنائمهم فهم أبداً في حنين إلى حال وراء هذه الحال ؟ !

وحقت اللعنة على زمياتين لأنه يحظى بالشهرة والمتابعة بين أناس من الآدميين البورجوازيين ، فضاع الرجل في بلاده ولم ينب عنه إعجاب القراء في غيرها ، ولم يؤذن له أن يكون إنساناً لأن الانسانية تشمل الناس جميعاً . أما الشيوعية فلا ينبغي أن تشمل أحداً غير الشيوعيين ! ..

وتحسب أن المقاييس كلها عرضة للضلال والحيرة والاشتباه، إلا مقياس الحرية الفنية فهو وحده حسب الباحث من قياس صحيح واف لمراتب الأمم وفضائل المجتمعات ومآثر الحكومات – فلا حرية – حق الحرية – حيث تتقيد الثقافة الفنية ، ولا استعباد – حق الاستعباد – حيث تنطلق الثقافة الفنية من قيودها

وبهذا المقياس الصادق المحكم تنفذ إلى الصميم من وراء الأغشية والظواهر ولا تقصر الحكم على الحرية التي تمثلها الشرائع ودساتير الحكومات . . .

... فرب أمة لا تشتمل قوانينها على حرف واحد يحرم الابتكار والحرية ، بل تنص القوانين فيها على حرية الرأى وحرية الابداع والتصوير ، ثم يظهر « الأثر الفنى » فيها فتضيق به الصدور وتشيح عنه الأبصار وتتلاحق الكوارث على رأس صاحبه ، لأنه يقول ما لا يعجب الناس وان لم يقل ما يخالف القوانين ويناقض الدساتير

تلك أمة من العبيد وان قيل على الورق إنها أمة من الأحرار . وشر ما فيها أنها مستعبدة مقهورة بغير حراس وغير قيود وغير طغاة ، ولو كان استعبادها من حراسها وقيودها وطغاتها لزال الاستعباد حين يزول جميع هؤلاء

ورب أمة تزدحم الأوراق فيها بتحريم هذا وعقوبة ذاك ولا تنقطع فيها مبدعات الجمال وآيات الفنون فترة من الفترات . فارجع إلى مقاييس القوانين كلها تقل لك إنها أمة مغلوبة مسلوبة ، وارجع إلى مقياس الفن وحده يقل لك ما هو أصدق وأعمق ، وهو أن السعة سنة النفوس والأذهان لاسعة الدساتير المسطورة على الأوراق ؛ وإن نفساً تتسع للابداع الحديث وترحب بالرأى الغريب وتستقبل النوازع النفسية والخوالج الفنية بغير حدود ولا أرصاد لهي حرة في غنى عن الاذن لها بالحرية ، وهي وشيكة أن تنفض عن كواهلها كل ثقل يحول بينها وبين العمل الطليق

***

شر الآداب هو أدب الموافقة والمجاراة ، لكننا نخطىء إذا حسبنا الحكومات الغاشمة علة هذا الأدب دون سائر العلل التي تفرضه على الكتاب والقراء

فالأدب التجارى أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه حكومة ولم يطلبه حاكم غاشم . لأن الذي يكتب للرواج يكتب ما يوافق الأذواق ويجارى الأهواء ولا يكتب ما ينبعث من سليقة حرة وقريحة شاعرة ، والذنب في ذلك على الأخلاق لا على القوانين

والأدب الضعيف أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه حكومة ولم يطلبه حاكم غاشم ، لأن النفس الضعيفة لن تهتدى إلى القوة ولو أخلى لها الحاكم طريقها . فهي توافق وتجارى مجزاً عن الخلاف والانفراد ، لا خوفاً من التفكير الطليق والقول الصريح

والأدب الجامد أدب موافقة ومجاراة ، لأنه يباين الحركة ويوافق السكون والركود

والأدب الذليل أدب موافقة ومجاراة ، لأن الذليل لا يحسن غير التمليق والازدلاف ، ولن يكون الملق إلا بالموافقة ولو كانت غير مأجورة ، وبالمجاراة ولو كانت غير مشكورة

وما من عيب تعيبه على أدب من الآداب إلا انتهي في قراره إلى أن يكون ضرباً من الموافقة ونقصاً في الحرية والابداع . فالموافقة لا جديد فيها ولا حاجة إليها ولا دوام لها ، وإنما تولع النفوس بالأدب لأنها متغيرة وليست براكدة ، ولأنها متطلعة وليست بعمياء ، وكيف يتفق التغير والمطابقة ؟ وكيف يتمشى التطلع والاستقرار ؟

إلا أننا نبادر فنقول إن أناساً يتمردون ولا يجيئون بخير مما هو منظور من الأدباء الموافقين المستسلمين ، لأن التمرد المصطنع إن هو إلا موافقة مستورة ومجاراة معكوسة ، فيه كل ما يؤخذ على التقليد من نقص وكل مما ينبني عليه من وخامة ، وذلك ما نعود إلى تفصيله في مقال تال ٍ.

عباس محمود العقاد

منتسكيو

آراؤه ومثله
للأستاذ إسماعيل مظهر

إن اسم منتسكير لاسم عظيم . والأثر الذي خلفته أعماله ينزل من الخلود في داخل أوربا وفي خارجها منزلة تمهد لمن يريد أن يترجم له أن يتصل به منتحيا طرقاً شتى ومداخل متفرقة . ذلك بأن أعمال هذا الرجل العظيم قد تركت أثراً رئيساً في جميع ما ظهر في عالم الفكر من النظريات السياسية ، حتى أن كاتباً من أشهر كتاب هذا العصر قد ذهب في نقد نظرياته مذهباً قضى فيه بأنها أول ما مهد لظهور فكرة « العقد الاجتماعي » التي كونها « روسو » ودافع عنها أبلغ دفاع . ولا شك في أنك تبهر بعبقرية هذا الانسان الفذ إذا علمت أن نظرياته السياسية كانت العمدة في وضع دستور الولايات المتحدة ، ومن هنا كان أثر « منتسكير » عظيماً في التزويج للفكرات والمبادىء التي قام عليها الدستور الانجليزي ، كما كانت باكورة الدراسات العميقة التي تناولت بدايات التكوين السياسي الذي نشأ في فرنسا خلال القرون الوسطى. فكان بمجموعة أعماله ودراساته وأفكاره من الرجال الذين عبدوا الطريق للثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر .

لهذا يجدر بنا أن نمهد للكلام في الترجمة له بذكر شيء من الأطوار التي تقلبت فيها حياته السياسية . فقد كان « منتسكيو » رئيساً لمحكمة « بوردو » العليا ، وهى أول هيئة تشريعية إقليمية كانت في فرنسا . وكان أعضاؤها يطمعون في أن يكون لهم مقاعد في محكمة باريس العليا . غير أن محكمة العاصمة الكبرى لم تذعن لهذا المطلب . لهذا ظلت النزعة « البرلمانية » جلية الأثر جد الجلاء في كل ما كتب « منتسكيو » ، بالرغم مما كان يطنب فيه من الالمامات التاريخية المستفيضة وتعلقه فى مجال البحث الاجتماعي بمعالجة مشكلات أوربا خاصة ؛ والإنسانية عامة . فيجب أن نعي إذن ذلك الأثر المزدوج الذي أحدثته المحاكم العليا في تاريخ فرنسا . فانها كانت حتى نهاية القرن السادس عشر الأداة الرئيسة التي اتخذتها الملوكية المركزية ، ذريعة لمد نفوذها ، وتثبيت سلطانها ، إتقاء لنفوذ النبلاء ومطامعهم من ناحية ، ودرءاً لسلطان الكنيسة من ناحية أخرى . وكانت هذه الأداة مجدية في إضعاف نفوذ النبلاء الموروث ، وهو نفوذ يتضمن فيما يتضمن سلطاناً واسعاً ، مالياً وإدارياً.

وكانت الخطة أن تقرر المحاكم العليا أن من حقها النظر في « الدعاوى الملكية » التي كان كبراء أصحاب القطائع يرغبون في أن تنظر أمام محاكمهم الخاصة . وكذلك قررت تلك المحاكم على اختلافها ، أن من حقها النظر في الدعاوى التي يقتضى النظر فيها انتقاصاً من سلطان الكنيسة ، قضائياً ومالياً . ولا شك في أن القوة الباطشة التي حازتها الملوكية المركزية في فرنسا في القرن السابع عشر ، كانت نتيجة لأشياء ثلاثة : الجيش ، ومجلس البلاط ، والمحاكم العليا

ولم تكن المحاكم العليا عند أول نشأتها في فرنسا ، إلا جزءاً من مجلس البلاط . وكان من أثر هذه المحاكم كما يقول « ها توتو » أن احتفظت فرنسا بوحدتها ، ولم تمزق ولايات متفرقة .

وفي أخريات القرن السادس عشر حدث انقلاب ، ساد محاكم فرنسا العليا ، وظهر أثره واضحاً في روحها المعنوية وفي عملها . فانها بدأت تستمسك بقوة بكل ما يدعى الملك من حقوق الدولة ، لتقضى بذلك على ما بقى لكبار أصحاب القطائع ورؤساء الكنائس من الامتيازات . غير أنها ، بجانب هذا ، بدأت تظهر بمظهر الأداة المستقلة عن إرادة الملك أيضاً . فكانت بطبيعة تكوينها وتاريخها ، الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تعارض إرادة الملك آمنة رخية البال . ذلك بأن أعضاء هذه المحاكم كانوا يملكون بالوراثة حق الجلوس فيها . ولم يكن من الهين أن يسلب واحد منهم حقه فيها ، حتى أن « رشيليو » في كتابه « العهد السياسي » ، قد عبر بعمق عن الأخطار التي يجوز أن يواجهها العرش من نفوذ أعضاء المحاكم العليا ، أو من مسلكهم الذي يسلكونه عند الضرورة . وعبر « الفروند » Fronde والسنوات الأخيرة من حكم الملك لويس الخامس عشر ، قد حققت كل ما خال في مخيلة « زشيليو » من المخاوف . ومجمل ما نرمى إليه من هذا كله أن نوضح أن « منتسكيو » كان يرى أن الوظيفة الأولى للمحاكم العليا إنما هي في أن تصمد لقوة الملك وأن تحد من سلطانه : قال :

« إن هذه الهيئات — المحاكم العليا — من أبعد الأشياء

تلاؤماً مع طبع الملوك . فان أعضاءها كثيراً ما ينفضون على الملك بسرد حقائق غير مرغوب في سماعها ولا يتصلون بالملك إلا لعرض الشكايات الحق . وأنت إذ ترى أن فئة من البطانة الملكية تلقي في سمع الملك دائماً أن الشعب في رغد وسعادة في ظل الحكومة ، إذا بتلك المحاكم تظهر ما في أقوال هؤلاء من كذب ونفاق ، وتقرع مسامع العرش ، حيناً بعد حين ، بصدى تلك الأنات العميقة الجافية التي تتنفس عنها صدور أولئك الذين يمثلونهم »

***

كتب منتسكيو بضع عبارات بالغة منتهى الجودة والابداع حلل فيها نفسيته ، وصور بها أخلاقه ويحسن بنا أن ننقل بعض فقرات منها ؛ وذلك أقوم سبيل تعرف به شيئا من حقيقة منتسكيو :

يقول إنه وهب حساً عميقاً جعله يقدس معنى الصداقة ، فلم يجازف بان يخلع نعت الصديق على كل من اتصل بهم من الناس ؛ ولذا يذكر ، ولعله يذكر بحق ، أنه لم يفقد طوال حياته غير صديق واحد .

وكان خجولاً . حتى أن الخجل كان مصيبته الخلقية الكبرى ؛ قال :

« يخيل إلى ان الخجل يغشى على كل أعضائي الجسمانية ، فيربط لساني ، ويظلم أفكارى ، ويقضى على كل ما عندي من قدرة على التعبير . ومن العجيب أني أقل تعرضاً لنوبات الخجل في حضرة ذوي الألباب مني في حضرة الحمقى والمغمورين »

فلا عجب إذن إذا رأينا « منتسكيو » يمقت كل المقت ذلك الجو الخانق الذي كان يأنسه في البطانات الملكية ؛ قال :

« لم أجهد نفسي في أن أسعد وأربى من طريق البطانة . وإنما أملت دائما أن أثرى من عملي في ضياعي ، وأن أتلقى الخير من يد الآلهة لا من يد البشر »

وليس لنا بعد هذا أن نعجب من أن « منتسكيو » كان لا يرى سبيلا للفرار من متاعب الحياة إلا بالنزوع إلى أسمى ما تتجه إليه الأنفس الأبية ، المتطلعة إلى المثل العليا ، والغايات السامية ؛ قال : -

« كان الإكباب على الدرس والتحصيل الدواء الواحد الذي استطعت أن أنجو به من كثير من مرارات الحياة . ولم آنس في الحياة من حرج ، لا تكفى ساعة واحدة أقضيها في القراءة ، لكى تذهب بكل آثاره من نفسي »

وكان عريض الأمل ، شامل النظر ، كلى المرأى ، إنساني النزعة ، فان الثورة الفرنسية ، وهو من أكبر الممهدين لها ، لم تلبث أن استقوت عليها بعد قليل الروح القومية ، فأسلمت نابليون قيادها ، وألقت بين يديه بروحها ؛ تلك الروح التي كانت أكبر الأسباب في انتصاراته ؛ غير أن سيل الفكر الجارف الذى تقدم شبوب الثورة ، كان من غير شك ، ذا صبغة إنسانية . ومن كلمات لمنتسكيو ننقلها هنا يتضح لك الاتجاه الحقيقي للفكر الفرنسي قبيل الثورة العظمى ؛ قال :

« إذا وضح لى أن شيئاً من الأشياء لى فيه نفع ، ولكنه مضر بأسرتي ، فإني أنفيه من عقلى ، وأطرده من مخيلتي . فإذا وقعت على شيء نافع لأسرتى ، ولكنه مضر بوطني ، فإني أجتهد في أن أنساه . أما إذا سقطت على شيء مفيد لوطني ، ولكنه مضر بأوربا ، أو بالسلالة البشرية ، فأقل ما أعتبر أن نيله جريمة كبرى . »

وكان لمنتسكيو. نظرات فلسفية عميقة في حقيقة الخلق الانساني ، طبقها واتخذها في الحياة إماما . وكان ككل الفلاسفة العمليين الذين درجوا من قبله يعتقد أن اللذة والألم دستور السلوك الانساني. ولكنها اللذة التي لا تطفر فتصير شهوة ، والألم الذي يحتمل بصبر وشجاعة في سبيل تحقيق المثاليات ؛ قال :

« إن دورة عقلى قد هيئت ، لحسن الحظ ، بحيث تجعلني شديد الحساسية فأتأثر بالأشياء ابتغاء الاستمتاع بها ، ولكن لم تبلغ حساسيتي بالأشياء جداً يجعلني أتألم من فواتها »

من هنا نستطيع أن نؤلف صورة تدلنا على شيء من حقيقة « منتسكيو » ، وهذا كاف للتعريف به . ولهذا ننتقل الى الكلام في مبادئه ونظرياته السياسية ، فإنها أخص ما يعلق بالذهن كلما ذكر اسم « منتسكيو »

***

إذا شرعت تقرأ كتاب منتسكيو «روح القوانين» ، وضحت لك صورتان جليتان : الأولى ، رجوعه في التدليل على نظرياته إلى التاريخ ؛ والثانية : نزعته إلى أحكام الآخرة بين النظرية السياسية ، والعلوم الطبيعية . وللصورتين أهميتهما القصوى في التعريف بمنتسكيو ودرس مذهبه . ناهيك بأنهما بداية ذلك التطور الفكرى الكبير الذي تناول منازع هذا الرجل العظيم منذ نشأته

مفكراً ، حتى تمام تكوينه كقوة عظيمة ، أثرت ، ولا تزال تؤثر ، في مناحي الفكر والعمل الانساني .

كان « منتسكيو » مفرط العناية بقراءة التاريخ . ولن تبالغ إذا قلت إنه كان بالتاريخ أشد هياماً من « روسو » . ذلك إلى أنه أوسع من « فولتير » نظراً ، وأشمل إحاطة ، وأنزع إلى معالجة المشكلات الاجتماعية . ومع كل هذا فإن معرفته بالتاريخ مقيسة على مفهومه الحديث ، كانت ضيقة محدودة . وكان من المحتوم أن يكون علمه بالتاريخ ضيق الحدود ؛ إذا وعينا أن التاريخ الحديث خلق جديد من مخلوقات القرن الثامن عشر

كانت معرفة « منتسكيو » بحوادث التاريخ تامة ، بالغة منتهى الضبط والإحاطة . ولقد حوى كتابه « عظمة الرومان. وانحطاطهم » أسمى صور البلاغة ، وجمال الأسلوب ، بل إنك لا تقول شططا إذا قضيت بأن أكثر النظريات التحليلية التي بها فيه « منتسكيو » عند الكلام في أربعة القرون التي أظلت نشوء النصرانية ، سبقاً وتعقيباً ، كانت عادلة متزنة ، لا هي إلى الافراط ولا هى إلى التفريط . ولقد كتبت الفصول الأولى من هذا الكتاب في عصر لم يكن سلطان النقد قد تناول فيه التاريخ بعد ؛ فإنه كتبها قبل ظهور كتاب « تييوهر » الذي يعد الفتح الأول للنقد في مجال التاريخ . وكانت آراؤه في القيصرية الرومانية الغربية وسبب اضمحلالها نفس الآراء التي ذاعت في سبب انحلال القيصرية البوزنطية . وتلك وجهة من النظر التاريخي ذاعت في القرن الثامن عشر ؛ ومن حسن الحظ أن البحوث التي ظهرت في خلال نصف القرن الماضي ، قد طهرت منها عقول المؤرخين ، تطهيراً كاملاً .

وكان « منتسكيو » ، إلى هذا ، محيطاً بتاريخ رومية أوسع إحاطة ، فاهما جوهره أقوم فهم ، ملماً بعناصره أمتن إلمام . ولكن معرفته بتاريخ اليونان كانت بغير شك أقل من معرفته بتاريخ رومية . وكتاباته في تاريخ العصور الوسطى ، لا تخرج عن كتابات مسلم بالآثار البدائية ( الأرخيولوجيا ) لا بالتاريخ.

أما معرفته بتاريخ فرنسا فكانت شاملة ، وبخاصة تاريخها في القرنين السادس عشر والسابع عشر ؛ ولا شبهة في أنه كان محيطاً بتاريخ العصر الذي عاش فيه . وكان شديد العناية بدرس تاريخ انجلترا ، مشغوفاً بمسائله ومشكلاته . ولكن نظرته فيه كانت شاذة بالرغم من طرافتها.

ولم يهمل « منتسكيو » التاريخ العام ، الذي يعتبر تاريخ رومية وفرنسا وانجلترا ، أجزاء منه ونتفا ؛ بل زوده بعناية الدرس والتحصيل . فان تاريخ مصر وبابل والهند والصين واليابان وشعوب خط الاستواء ، وشعوب الجمد الشمالي ، كانت ماثلة له حية في مخيلته . ولكن لم يكن الزمان قد زود المشتغلين بالتاريخ بعد بمادة يستخرجون بها من ماضي الشعوب صوراً واضحة جلية.

يظهرنا هذا على أن عنايته بالتاريخ كانت كبيرة ولكن من الخطأ أن نتصور أن فلسفته السياسية كانت مستمدة من معرفته بالتاريخ ، أو مستندة إليها ، فانك إذا مضيت تماثل بين ما كتب أرسطو طاليس أو لا دويرابس ، وبين ما كتب « منتسكيو » وقعت على الفارق العظيم ، والصدع النائى الذى يفصل « منتسكيو » في العصور التي تقدمته ، والعصور الذي تلته ، وجملة الفارق بين الأساليب التي اتبعها القدماء والأساليب التي انتحاها المحدثون . فان « منتسكيو » كان يتخذ من التاريخ مضرباً للأمثال والمثلات ، ليؤيد وجهة نظره ، ولكنه لم يستمد من التاريخ بالذات تلك الآراء التي قامت عليها نظرياته السياسية ، وليس عندنا من دليل على هذا أقوم من الدليل الذي ترجع فيه إلى الفصل الثامن من كتابه « روح القوانين » إذ يقول :

« كما أن الديمقراطيات تفسد وتنهار باعتداء الأمم على المحاكم العليا - البرلمان - والحكام والقضاة ، واستلاب حقوقهم وخصائصهم ، كذلك تسقط الملوكيات ، أو هي تأخذ في الانحلال إذا مضت تسلب من النقابات والجمعيات والمدن امتيازاتها الطبيعية والحالة الأولى مظهر لاستبداد الجماعات ، والثانية مظهر لاستبداد الفرد . »

« إن السبب الذي أسقط أسرتى « تسن » و « سووى » كما يقول مؤلف صيني ، إنما يرجع إلى أن أمراء الأسرتين لم يكتفوا من الحكم بالإشراف الأعلى على شئون الدولة ، كما كان شأن الأمراء في الأسر اللواتي سبقت في الحكم، وكما هو طبيعى أن يكون في ملوكيات رشيدة ؛ بل حاولوا أن يتحكموا ويحكموا في كل شأن من الشئون بأنفسهم ، وبغير واسطة. وكلمات هذا المؤلف الصيني ، تعبر عن الأسباب التي يعود إليها

سقوط الملوكيات في كل الأزمان . »

«إنما تسقط الملوكيات بأن تقوم في نفس الملك شهوة أن يظهر جبروته وسلطانه ، فيحرف النظم المقررة ويفسدها ، بدل أن يحافظ عليها ويرعاها : ومثل ذلك أن ينتصب الحقوق والامتيازات التي تقوم عليها بعض النظم من يدفئة ، ويهبها باختياره ، ولمجرد إشباع شهوته ، لفئة أخرى ، أو أن يحكم خياله وتصوراته في شؤون الدولة ؛ دون عقله ونهاه . »

« تنهار الملوكية عند ما يقدم ملك يحاول أن يحصر كل شيء في ذاته . فيركز الحكومة في عاصمته ، ويركز العاصمة في بطانته وحاشيته ، ويركز البطانة في ذاته ؛ وفوق كل هذا يكون سقوط الملوكية سريعاً مروعاً ، عند ما يسيء الملك فهم سلطته ومركزه ، وحب شعبه له ، وعند ما يغيب عن فهمه أنه يجب أن يشعر دائماً بأنه فى أمن وسلام ، قدر ما يشعر المستبد القاهر أنه دائما في خطر » اهـ

فهل من شك في أن « منتسكيو » ، وهو رئيس محكمة « بوردو » العليا إنما يعبر بهذا عما قام في ذهنه عن ملوكية لويس الرابع عشر وخلفه ، وأنه ذلك المؤلف الصيني ، الذي يخيل إلينا أنه لم يوجد إلا في مخيلة مؤلف « روح القوانين » لم يقحم في هذا الموقف إلا ليكون مادة لضرب المثل ، وإظهار المثلة ؟ ليس هذا ببعيد . ذلك بأن « منتسكيو » يعرف تمام المعرفة ، كما ذكر في غير الموطن الذي نقلنا عنه هذا القول ، أن الملوكيات كثيراً ما فسدت وانحلت متأثرة بأسباب تختلف كل الاختلاف عن الأسباب التي ذكرها .

كذلك لا يستطيع المؤرخ أن يعزو كبير قيمة لنزعة هذا العبقرى إلى الاستعانة بالعلوم الطبيعية . فإن قوله بأثر البيئة الطبيعية كأن أمراً له فى البحوث الاجتماعية والسياسية ، إلى جانب الجدة والحداثة ، خطره العلمي . غير أن هذا البحث مجلواً في الصورة التي لابسته في ما كتب « منتسكيو » ، وفي الصورة المحرفة التي ظهر بها في بحوث « روسو » ، لن يجد فيه المفكر الحديث مقنعاً ، أو يقع فيه على حقيقة تنقع الغلة . فلقد عالج تطبيق العلوم الطبيعية على الاجتماعيات من وجهة هي على غرابتها وبعدها عن مناحي الفكر الحديث ، تثير عند المحدثين الذين يعرفون مرامى العلم العملى ومنازعه ، كثيراً من الاستخفاف بها ، والسخرية منها : ومثلنا على ذلك ما عالج به حالات انجلترا الاجتماعية من الآراء التي بثها في فصلين من «روح القوانين»(۱) فإن آراءه التي بثها في ذينك الفصلين ، تحمل على القول بأن « منتسكيو » كان فيها إلى الهزل والمجانة ، أقرب منه إلى الجد . ويزيدني بهذا الأمر ثقة أن فلاسفة القرن الثامن عشر لم يتعففوا عن النزعة إلى المجون ، بجانب ما كان فيهم من حب النفع العلمي ، والاستقامة في التفكير . وعندى أن «منتسكيو» لم يرم بما كتب في الفصلين السالفين إلا إلى الاستخفاف بقرائه من الانجليز . وما قولك في رجل يبدأ البيان عن حالات الانجليز الاجتماعية بالكلام في تأثير طقس بلادهم ، فيعزو إليه نزعة الانجليز إلى الانتحار ! ثم يحاول أن يعلل الصورة التي تلابس ميولهم القومية ، فيقول إنها ترجع إلى ضعف الاستعداد الطبيعي على ترشح العصارة العصبية . وهذا قول لا يكفى أن يكون سبباً في تعليل ميول الانجليز القومية لاغير ، بل يكفي للقول بأن الشعب الانجليزي مقضى عليه بالفناء جميعاً .

وهو يحاول في فصل تال أن يفسر تأثير ذلك الأمر على شكل الحكومة الانجليزية فيقول إن سلالة لها استعدادها في التأثر بالاستثارات المختلفة وقلة ثباتها على شيء ، لن تصبر على حكومة تلقى مقاليدها في يد فرد واحد ، فلا تقوم خارجة على سلطان الحكومة وعلى سلطانه ، وإنه من الطبيعي أن تحلم أمة غرس فيها طقس البقعة التي تسكنها من كرة الأرض خليقة القلق والجزع ، بحيث لا تحتمل البقاء على حالة بعينها ، أو الصبر على شيء بذاته ، بقوانين مستخلصة من التجارب ، فيكون من الصعب نبذها والنزوع إلى غيرها . ويخلص « منتسكيو » من هذا إلى رأى أعجب من كل آرائه الأخر ، مؤداه أن الدستور الانجليزي ، إنما هو جنى الضباب الذي يحط على بلادهم . أضف إلى ذلك أنه يعزو دين الانجليز إلى السبب عينه ، في موضع آخر من ذلك الكتاب . (۲)

اسماعيل مظهر

من ذكريات الحملة الفرنسية

رستم مملوك الامبراطور

للأستاذ محمد عبد الله عنان

يرقد نابوليون في مثواه الخالد في مؤخرة صرح الانفاليد يباريس ، في تابوت من الزمن القائم ، تظلله قبة لحمة رائعة ، وقد ركزت حوله عدة من الأعلام التي ظفر بها الامبراطور في الوقائع الشهيرة التي خاضها وكان النصر حليفه فيها مثل ماريجو ، وفاجرام ، وايلو ، وأوسترلتز ، وبينا ، والأهرام، وغيرها ؛ وقد استوقفنا يوم أتيحت لنا زيارة قبر الامبراطور منظر ذينك العلمين للمزتين اللذين كتب أمامهما موقعة الاهرام ، فلم نستطع أن نميز لهما لوناً أو علامة خاصة أو أن نقرأ فيهما شيئاً

كانت الحملة المصرية من أعظم الحوادث التي تركت في ذهن نابوليون أثراً خالداً ؛ ومع أنها اختتمت بالفشل من الوجهتين العسكرية والسياسية فإنها تركت من الوجهة المعنوية أعمق الآثار ؛ ولم يكن نابوليون حين مقدمه إلى مصر فاتحاً يبحث وراء طالعه فقط، ولكنه كان يتصور انه يستطيع أن يعيد حلم الاسكندر ، فيبدل الأمم والحضارات ؛ ومن ثم فقد حشد في جيشه المطابع والأدوات العلمية إلى جانب المدافع ، والعلماء المبرزين في كل فن إلى جانب الضباط والقادة ؛ ولم يكن ظفر نابوليون بفتح مصر والبقاء فيها مدى حين ، ليضارع تلك الجهود البديعة التي اضطلع بها علماء الحملة الفرنسية لدراسة مصر وحضارتها ، وتلك النتائج العلمية الباهرة التي وفقوا اليها ، ودونوها فيما بعد في كتاب « وصف مصر » أعظم وأقوم موسوعة ظهرت عن مصر ، في العصر الحديث

ولما عاد نابوليون من مصر إلى فرنسا حينما تعقدت الحوادث وتجهمت ، ( اكتوبر سنة ١٧٩٩ ) ، لم يكن لديه أمل في استبقاء مصر طويلا ، ولكنه أراد أن يغادرها جنده في أفضل الظروف والشروط ؛ وهذا ما وقع بعد قليل ، فقد انتهت الحوادث بجلاء الفرنسيين عن مصر فى أواخر سنة ١٨٠١ ؛ ولكن نابوليون لم يقطع صلته بمصر، ولم ينقطع اهتمامه بشئونها ؛ فقد عنى بعد ذلك بتأليف لجنة من العلماء الذين رافقوا الحملة إلى مصر مثل برتوليه ومونج وفورييه ، لتضع موسوعة شاملة عن مصر ، وظهر أول مجلد من هذه الموسوعة ، أو كتاب وصف مصر الذي أشرنا إليه في سنة ١٨٠٩ ، واستمر صدورها بعد ذلك أجزاء متعاقبة الى سنة ١٨٢٦ ، وكانت من أعظم ثمار الحملة العلمية

ولبث نابوليون وثيق الصلة بمصر وذكرياتها عن طريق آخر ؛ ذلك هو حرسه الخاص الذي ألفه من بعض المماليك والأقباط والترك والسود الذين اصطحبهم معه من مصر ؛ وكانت هذه الفرقة المختارة التي يرتدى أفرادها الثياب الشرقية الزاهية ويركبون الخيول المطهمة تصحب القنصل الأول ، ثم الامبراطور ، في غدواته وروحاته ، الى التويلرى ومالميزون ؛ وكان منظرها الفخم المروع معاً ، يثير طلعة الباريسيين ودهشتهم، فيحتشدوا لرؤية أولئك الفرسان الشرقيين ، أولى الشوارب المفتولة ، والعمائم الملونة ، والثياب الفضفاضة ، كلما مر ركب نابوليون

وكان عميد هذه الكوكبة المختارة جندي مملوك يدعى رستم . ولرستم مع نابوليون قصة طريفة ترويها في هذا الفصل . كان رستم أحد أولئك المماليك الذين يصعب تعقب أصولهم أو حياتهم الأولى ، ألقى به القدر الى القاهرة بعد أن بيع مراراً ولقي خطوبا ، وقدم الى بونابرت في القاهرة حينما طلب أن يؤتى له ببعض الأدلاء الوطنيين . وكان رستم يومئذ فتى في عنفوانه وسيم المحيا ، فراق نابوليون منظره ، وسأله حسبما يقرر لنا رستم بعد ذلك في مذكراته ، هل يجيد الركوب والطعان ، فأجاب رستم بالايجاب . وسأله نابوليون عن اسمه ، فأجاب ان اسمه الأخير يحيى ، ولكن اسمه الحقيقي الذي سمي به في بلاد الكرج مسقط رأسه هو رستم ؛ فأمره نابوليون أن يتسمى بهذا الاسم ، ثم وهبه سيفاً دمشقياً رصعت قبضته ببعض الجواهر ، ومسدسين زينا بالذهب ، وألحقه بخدمته

ولم تمض أيام قلائل حتى اضطر نابوليون الى مغادرة مصر مسرعاً الى فرنسا ، فلم ينس أن يصطحب معه مملوكه الجديد رستم على ظهر السفينة « مويرون » التي أقلته الى فرنسا مع بعض علماء الحملة من أصدقائه ؛ وكان رستم يختص بخدمة سيده الجديد ، ويقضى المساء على مقربة من الحلقة التي تتألف كل ليلة في مؤخرة « مويرون » من نابوليون والعالمين برتوليه ومونج

يتحدثون في الشئون العامة أو يلعبون الورق ؛ وكان نابوليون كثيراً ما يقول لمملوكه انه سيجد فى باريس كثيراً من المال والنساء الحسان ، فيطرب رستم ، وتضطرم مخيلته بالأحلام اللذيذة ، ويتذكر ماضيه التعس الحافل بصنوف البؤس والمخاطرة ، وما أسبغ الحظ عليه من رعاية ذلك السيد العظيم الذي سيقوده إلى مستقبل حافل بصنوف السعادة والنعيم.

:

ووصلت « مويرون » الى المياه الفرنسية بعد رحلة خطرة دامت نحو خمسين يوماً ؛ ولما وصل رستم في ركب سيده إلى باريس ، رأى منظراً رائعاً لم يتصوره من قبل ، وسحرته عظمة العاصمة الفرنسية ، التي لم تكن القاهرة أعظم مدينة شاهدها في الشرق الى جانبها شيئاً مذكوراً ؛ ولم تمض أشهر قلائل حتى ظفر نابوليون بالغاء الحكومة الادارية المؤقتة ( الديركتوار ) ، وصدر دستور القنصلية ( ديسمبر سنة ١٧٩٩ ) ، وانتخب نابوليون قنصلاً أولا ، وانتخب معه صديقاه كامباسير ولبرون كقنصلين ثان وثالث ؛ وهنا جاء دور رستم في الظهور إلى جانب سيده في المواكب العظيمة ، وكان نابوليون يتوق دائما إلى أن يحيط نفسه بتلك المظاهر الشرقية الساحرة ، فكان رستم يتقدم عربة القنصل الأول دائماً ، وهو على ظهر فرس بديع ، وقد ارتدى صديرية من القطيفة الزاهية فوق ثوب واسع ، ووضع على رأسه عمامة بيضاء أنيقة ؛ وكان منظره الشائق الساحر معاً أجمل ما في ركب القنصل حين يغدو وحين يروح. . .

وجاء دور الامبراطورية وتألق نجم رستم سراعاً ، وشهد الحفلة الدينية الكبرى التي توج فيها الامبراطور بالرغم من معارضة رجال الخاصة ، وأعد له بهذه المناسبة ثوبان فاخران وضع رسمهما « إيسابى » مصور الامبراطور ، وظهر رستم في كنيسة « الانفاليد » وعليه صدرية من الكشمير الفاخر المطرز بالذهب وعمامة رائعة الحسن ، وذاعت شهرته حتى أصبح من طرائف باريس التي يعنى برؤيتها كل زائر للعاصمة ، وطبعت صورته ووزعت بالألوف في جميع أنحاء فرنسا ؛ وأغدق الامبراطور على مملوكه العطاء والصلة ورتب له عدة رواتب حسنة حتى غدا من أهل اليسار والنعم ؛ وكان الامبراطور يثق به ثقة لاحد لها ، فلم يكن من أقطاب حرسه الخارجي فقط ، ولكنه كان حارسه الأمين في حياته الداخلية أيضاً ؛ فكان ينام عند عتبة غرفة الامبراطور في البهو الملاصق ، وكان هو الذى يحمل العشاء إلى الامبراطور والامبراطورة حينما يكونان في الفراش ؛ وكان ملحوظاً بالرعاية من جميع أعضاء الأسرة الملكية والحاشية ، حتى أن الملكة هورتنس ابنة الامبراطورة جوزفين ، وزوجة الجنرال مورات ، عنيت بتصويره ، وكانت تغنى له المقطوعات الساحرة حتى لا ينام أثناء التصوير.

وتاقت نفس رستم إلى الزواج ، وهام بحب آنسة تدعى دوفيل وهي ابنة أحد منادى الامبراطور ، وكانت رائعة الحسن في التاسعة عشرة من عمرها ؛ ولما طلب رستم يدها قامت في سبيله بعض صعاب شكلية لأنه لم يكن كالفتاة كاثوليكي المذهب ، ورفض الأسقف الموافقة على هذا الزواج ، فتدخل الامبراطور وقضى على هذه الصعاب ، وتم زواج رستم بالانسة دوفيل في سنة ١٨٠٦ ؛ ورزق رستم منها غلاما سمي «أشيل» ، قطرب الامبراطور لمولده وأغدق العطاء لمملوكه.

...

وظل رستم متمتعاً برعاية الامبراطور ، يمرح في ظلال النعماء والنفوذ ، حتى وقعت الكارثة ، وهزم نابوليون في حرب التحرير وأضطره الحلفاء الظافرون إلى التنازل عن العرش والسفر إلى جزيرة « إلبا» ؛ وهنا سئل رستم كما سئل المخلصون من حاشية الامبراطور عما إذا كان يرغب في مرافقة الامبراطور إلى المنفى ، فتردد رستم في اللحاق به، وهرول إلى زوجه في باريس تاركاً ذلك القصر الذي أنفق فيه أعواما طوالا متمتعاً برعاية أعظم رجل في فرنسا ، وفي أوربا بأسرها ؛ ودلل بذلك على أثرته ، ووضاعة نفسه ؛ بيد أنه ندم على فعلته بعد ، حينما رأى بداية العهد الجديد تميل إلى اضطهاد كل من كانت له صلة وثيقة بالعاهل المنفي ؛ وكانت فرقة المماليك التي ينتمى إليها رستم قد انحلت مع مرور الزمن وغادرها معظم رجالها ومات عدد منهم ، وبقي رستم بعد ذلك أبرز أعضائها القدماء ، ورأى رستم نفسه ينزل من علياء نفوذه بسرعة ، ويجرد من سيفه وعمامته ، وينظر إليه بعين الشك من الحكومة الجديدة . ألم يكن رستم أخلص حرس الامبراطور وأقربهم إليه وأشدهم وطأة على أعدائه ؟ وأحيط رستم برقابة صارمة ، ونقل عيون الحكومة الجديدة عنه أغرب الأخبار ، وقيل أنه يدبر مؤامرة لقلب الحكومة الملكية ؛ والواقع أن رستم كان أبعد الناس عن هذه.

الريب ، ولم يكن يود إلا أن يعيش في سلام بعيداً عن ذلك الماضي الذي يربيه ويزعجه.

ولما عاد الامبراطور من منفاه في إلبا توجس رستم شراً، وهرول إلى سيده القديم يلتمس الصفح والاعادة ؛ فأبى الامبراطور رؤيته ، ورده باحتقار . وكان رستم يقيم عندئذ منزوياً في بعض ضواحي باريس . فلم يكن أحب إلى نفسه من أن يستأنف حياة الانزواء والهدوء ؛ ولم يمض غير قليل حتى وقعت الكارثة الحاسمة وهزم نابليون في واترلو وحمل إلى منفاه في سنت هيلانه ؛ ولم يهتز رستم لهذه الحوادث ، وقنع من الحياة بالهدوء والسكينة ؛ وعاد إلى سكنى باريس بعد أن نسيته الحكومة الجديدة ، ولم تحاول إقلاق راحته ؛ بيد أنه لم يكن يتمتع بعد برخائه القديم بعد أن أنقصت رواتبه ، وكثر عياله ، فنراه في سنة ١٨٢٤ يسافر إلى لندن إجابة لدعوة أحد أصحاب المسارح ، وهنالك يعرض نفسه في ثيابه الشرقية القديمة ويكسب بذلك بعض المال.

وقضى رستم في لندن نحو عام ، ثم عاد إلى باريس ، وانتقل بأسرته إلى بلدة دوردان على مقربة من باريس ليعيش فيها ؛ وهنالك لم تفارقه صفته القديمة « مملوك الامبراطور» ؛ وكانت هذه الصفة تثير من حوله الفضول وتسبغ عليه مهابة خاصة ؛ بيد أنه لم يكن يتمتع يومئذ بشيء من مظاهره الشرقية القديمة ؛ وكان يحب الصيد ، ويرتئي مجتمعات المدينة ، ويتصل بكثير من أهلها بأواصر الصداقة المتينة ؛ وكان كثيراً ما يقص ذكرياته عن الامبراطور ويفاخر بما لديه من آثار الامبراطور مما أفاضه عليه أيام عزه ؛ وكان بعض الساخطين عليه يرمونه بالخيانة ، ويقولون عنه إنه خائن لبلاده خائن لولي نعمته ، بيد أن رستم لم يكن ليعبأ بهذه المطاعن ، وكان يحتفظ دائماً بسكينته وهدوء نفسه.

وتوفى رستم في سنة ١٨٤٥ ، في الرابعة والستين من عمره ودفن بمقبرة دوردان وكتب على قبره ما يأتي «هنا يثوى رستم رضا ، مملوك الإمبراطور نابليون سابقاً ؛ ومولده بتفليس من أعمال الكرج » ؛ وكانت وفاته خاتمة لآخر الذكريات الحية في تاريخ الحملة الفرنسية على مصر (١).

محمد عبد الله عنان

(١) استقينا معظم التفاصيل الخاصة بحياة رستم من المؤرخ الفرنسي Lenotre.

وحى الثلاثين

للأستاذ عبد المنعم خلاف

على مقطع من مقاطع الزمن الذي يبنيني ، أقف مستديراً مواكب الحياة الحاضرة ، لأستعرض هذه العقود الثلاثة التي كونت جسمى ذرة ذرة ، وملأت رئتي شهقة وأفرغتها زفرة ، وسلسلت عقلى فكرة فكرة!

وأريد في وقفتي هذه أن يكون في روحي غيبوبة وامتداد ؛ وفي ذاكرتي صحو واجتماع ، وفي قلبي حنين واهتياج ، وفى عقلى سكون وإدراك ؛ وفي جسمي صحة ووقود ، وفى قلمي حساسية وبيان . . . فإن الصور التي أرصدها مخبوءة في ركام من أيامي البالية التي لبستها أمام الشمس والقمر فطبعاها بالخاتمين « الأبيض والأسود » ثم نضوتها ومعها بسمة أو دمعة أو فكرة أو ذكرى ، أو قطعة من قلبي أو هزة من جسمي في غرارة الطفولة أو ضحوة الصبا أو فوعة الشباب الذي يوشك أن يمضي به ما أشاب الصغير وأفنى الكبير من كر الغداة ومر العشي . . !

* * *

أمس ! يا وادي الظلال الساكنة من حياتنا العاملة النائمة . أنا الآن في حركة إدبار وارتداد إليك ، في ساعة ليس لي فيها حاضر راهن يشغلني ، ولا أمل غائب ينازلني ، واقف فيك على أطلالي : أبحث فيها عن صور عيني ولها فيك ظلال ، وأنفام أذنى ، ومنها بك أصداء .. بل إني لأبحث عن سرى وميراثي من عهد آدم حادراً في الأصلاب متنقلاً في الأحقاب في عالم نجيبي ومشهدي!

فمن لي بما يروى لى ما بين مبتداى ويومى هذا ..؟ إنها شقة بعيدة أحسب أنها تعيبي تهاويل الخيال المسعد!

* * *

وقد قالت « الفسلجة » : إلى صورة تتجدد فيها خلايا جسمي كل سبع سنين ... فلست أنا الجسم الأول ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع ... وليس في بقية منها ، فإذا بحثت عن أجزائي التي ماتت وأبعاضي التي غيبت ، فلن أجدها إلا في ذلك الجسم العظيم.

الذى أنا خلية منه : الأرض . ويالها من تيه لمن يبحث !

إذا يا روحى ، أنت « المكان » الذي يمكن أن أبحث فيه عنى : سراً كامناً في عالم الغيب ، ثم نواة فعقدة قلباً فثمرة مدركة . فأفسحى لى من شأنك العظيم واحرقي بخوراً يهيئ لى جواً أعيش فيه ساعة الذكرى !.

***

ودخلت قدس الروح المعطر ، ومعي ذلك « الصندوق العجيب » جمجمتي ! أتحبس الشعاع الأول الهادى إلى مفتاح حياتي ، فلم أر ولكني سمعت نجوى تقول :

« حينما طلبت شعلة الحياة حطباً جديداً قبل ثلاثين سنة ، دفع بك وأنت « لا شيء » في غيبوبة الأزل على حبل نسل تناهى إليك من أبيك عن أبيه عن ... آدم في صف كبير من آبائك الذين أتى دورهم في الاحتراق ... فانعقدت البذرة وتخلقت وركبت الذات ووضعت الذرة الصغيرة التي فيها كل ميراث آدم ، واتصلت بها الشرارة الخفية المجهولة فدار قلبك الصغير فأضاف بنبضه صوتاً إلى ضوضاء الحياة .. وبحركته دفعاً في موكبها .. وبحرارته جمرة في شعلتها ... فاختلج آدم فمن والاه على السلسلة التي بينك وبينه ، فرحاً بالامتداد والخلود .. واستبقت الملائكة والشياطين إلى احتلال الأمكنة فيك استعداداً للمعركة المقبلة .... وعشعشت في قلبك الغربان والخفافيش السود، والحمامات البيض شأنها على كل غصن ... وطارت عليك الذرات الجامدة التائهة لتكون لبنات حية في البناء الجديد .

.. ثم فصلت عن المستودع الذي التقي فيه أزلك وأبدك ، وخرجت في موكب الربيع في ابريل سنة ١٩٠٧ مع أوراقه وأزهاره وأغصانه وأفراخه .. كتلة لحمية عمياء بكماء صماء .. فأسرع جو الأرض إلى رئتيك المختلجتين في ارتباك وسرعة لتلحقا حركة الحياة بالأحياء ، وفتحت الأضواء أجفانك ، وكل شعاع يريد أن يكون بشير النور ورسالة الشعنى أم الحياة إلى « عدستك » الجديدة . . . . . . . . . .

وكان أول صوت اقتحم أذنيك من ضجة الحياة و صوت الآلام .. آلام تكاليف الحياة وحمل أمانتها الفادحة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملها وأشفقن منها وحملها الإنسان . . . . صوت أمك

وبكيت من ازدحام هذه العوامل على جسمك الرقيق الغريب بينها فأذاقوا فاك لذته فسكت ... وكان هذا أول درس عرفته من منطق أهل الأرض مع المزعجين . !

***

ثم عاشت هذه الكتلة طفيلية في حياة كحياة النبات ، وفى فراغ كفراغ النائم ومضت الدنيا تدور كل يوم حول « صندوقها العجيب » فتدخل إليه على شعاع أو صوت أو طعم أو لمس لتثبت وجودها فيه أو لتخلق فيه خلقاً آخر على الأصح « والأكوان عداد العقول » كما يقول الرافعي العظيم .

وتفاعلت أشياء الدنيا مع أشياء القلب فأخذ الشخص الكامن يبدو ويمتد فكل ذرة تلد وكل معنى يتركب من هذه الأبجدية وظهرت بعض النسب بين الأشياء ، واشرأبت الأشياء إلى براهين وجودها .

فقلت لصوت النجوى : أ- كانت الدنيا عدما قبلي؟

فأجاب : قالت بعض الفلسفات : الدنيا فكرة !

قلت : لا ! بدون برهان . . .

قال الصوت : أنت وأخوك قد خرجتها من مستقر واحد بجسمين مختلفين قد تقمصتك روح وتقمصته أخرى . أفرأيت لو خالف بينك وبينه فكنت إياه وكان إياك ؛ أفلا كان العالم غير ما هو الآن عندك وعنده وعند الناس ؟

فتأملت ولم أعط الجواب للآن : !

***

ثم انقطع الصوت وابتدأت أرى في الجمجمة خيوط ضوء على حواء وآدم في شخصي الأم والأب ، وأسمع منها أهازيج الجنة وأصوات ولداتها في أصوات إخوتي وأترابي بملاعب الطفولة ، وأرى قطعة من سماء القاهرة والشمس فيها والقمر ، فوق المكان الذى تيقظت فيه من الغيبوبة والذهول : حارة الروم . . . سقاها الحيا ، فوقفت أبحث عن الطفل الصغير وضعفه وجهله وبراءته. وفراغه وثيابه وحلواه وحيوانه وصورته التي كان يتعجب منها كثيراً .... فوجدتها أشياء لا تزال تضحك كما كانت ... وأنا أبكى بعلمى وأنوه بقوتى ، وأنفجر بامتلائي وأجن بيقظتي . .

ففتحت لما قلبي فكادت تنكره وتختنق بما فيه .

وقات يا حمراء هل رجعة ! قالت وهل يرجع ما فاتا !

***

ثم جاء العهد الذي رأيت فيه الدنيا في شخص المعلم لها عصا تلوح لي بها إلى الحق والواجب ، والنفس والغير ، وتشير بها إلى الأمام ... إلى الغاية ... إلى الرجولة ، ثم تصلصل بالقيود حين يصلصل الجرس ...

فصحوت لأعلام الطريق واستيقظت لصحبة ذلك الشخص الغامض المبهم الذى ابتدأ يضايقني بندائه ، ويشغلني بأشيائه ... أنا ! فتمنيت وتخيلت وتشبهت وجاء الأمل والعمل ، وأسلمني الزمان إلى عهد الشباب بتداعاته وهزاته ، وأقبلت الدنيا بأعراسها وأحزانها ومباهجها ومقاتلها تتحبب وتتغزل وتغنى الثمرة الناضجة .. واستيقظت الشياطين والملائكة للمعركة التي رسمت خططها واحتلت لها الأمكنة في قلب الجنين ، وحامت الحمامات والفراشات البيض ، والأغربة والخفافيش السود ، فتغيرت نبضات القلب وسمعت منه أصوات لا عهد لها ولا تاريخ . . وقال الجسد : هأنذا ... وقالت النفس : وهأنذى ... وقالت الحياة : دونك ! ...

ووقفت أنا .. أرى المعركة وأتفرس في القتلى والمصروعين بدهشة وأسف ولذة وتحبب إلى يومى هذا ، وهكذا يدور الصراع والقبر الموعد . . .

****

وارتسمت البشرية بعلومها وآدابها كلمات على ذلك العرض الأبيض الذي في رأسي : فألف وياء ، وواحد وألف ، وأرض وبحر وسماء ، ومادة وقوة ، ومثلث ودائرة ، وزنوج أفريقية وبيض أوروبا ، وبوذا وفينوس ، والجمل وزبلن ، والسلحفاة والطيارة والراديو ، والقبر والقصر ، والحق والواجب . . وقيل وقالوا .... ولست أدرى بعد ذلك : أهو قبض على ريح . ؟ . أو إمساك على ماء ؟ ! أو سراب على سبسب ؟ ! - .

***

أيها الدهر الذي صحبته ولبسته ذرة صغيرة إلى أن صرت كونا فيه قلب وعقل ! هأنذا كواقف في صحراء تلتقي بها على مدى بصره آفاق السماء ، إذا تلفت وراءه وجد إبهاماً وغموضاً وإذا تطلع أمامه وجد إيهاماً وغموضاً . . .

وددت لو أنى كنت الرجل الأول لأشهد نشأة الانسان والرجل الأخير لأشهد فناء الانسان . . . الانسان الواحد الهائل الذي يتمثل في هذه الأشخاص التي تمتلىء بها الأرض وتفرغ منها كل لحظة ... الانسان الذي وقع عليه كل الضوء وكل الظلام ... وددت هذا لأعرف ! ولكن ليس لي متقدم عن زماني هذا ولا متأخر

يا لبنات الجسد ... يا قلبي الذي لم أره ولن أراه .. يا أعضائى وأجزائي التي تجمعت لأكون ... .

يا ناسيتي وقدمي ، وإهابي وفؤادي و ظاهری و باطنی . . !

أما نستمتعن الألفة تحت هذا الرباط الضاغط ، فترون الفكاك والانطلاق ؟

إني أشعر أن حملتكن إمراً ، وأرهقتكن من أمرى عسراً ، وأذيتكن من جوار روحي : بيت النار !

إني يقظ للصحبة وفي للرفقة في هذه الرحلة، لا أبخل عليكن بالنظرة الرائية !

***

إنها الأيام المقبلة. المقبلة التي فيها الأعباء الكبيرة والصحو من الرؤى والأحلام ، وبلوغ القمة ثم الانحدار إلى الحفرة التي فيها الدوام والقرار . .

أعيد حرارة قلبي من يدك الباردة . . ، وما وراء قلبي فهو لسطوة قوانينك ، وصرامة نواميسك . فهذا شعري فاصبغيه بلون الكفن ... وجلدى فسجلى فعلك بتجميده ، وقدماى فاقتلي قيدها ، وأوصالي فافصمي لحماها ، وإن شئت فاغلقي عينى وأحوجي سمعى إلى ترجمان ، واجعليني كجذع هصرت غصونه وذهبت حلاته وفنونه ..

أما قلبي فدعيه لي بأوتاره وأشواقه ، صوتاً أخيراً وصاحباً محدثاً أعيش معه يوم يدبر الناس وتزيغ الحواس ؛ حتى تطلبني الأرض جسداً تأكله !

عبد المنعم خلاف .

للأدب والتاريخ

مصطفى صادق الرافعي

١٨٨٠ - ١٩٣٧

للأستاذ محمد سعيد العريان

لما جاءنى نبأ الرافعي بعد ظهر الاثنين ١٤ مايو سنة ١٩٣٧ غشيتني غشية من الهم والألم سلبتني الفكر والإرادة وضبط النفس فلم أكد أصدق فيما بيني وبين نفسي أن (صادق الرافعي) الذي تنبأه لى (البلاغ) الساعة هو الرجل الذي أعرف ويعرف الناس؟ ودار رأسي دورة جمعت لى الماضي كله بزمانه ومكانه في لحظة فكرة وتتابعت الصور أمام عيني تنقل إلي خيال هذا الماضي بألوانه وأشكاله ومجالسه وسمره وأحاديثه، من أول يوم لقيت فيه الرافعي من خريف سنة ١٩٣٢ إلى آخر يوم جلست إليه في قهوة (پول نور) منذ شهرين فحدثته وحدثني ثم انصرفت وانصرف وفي نفسي منه شيء وفي نفسه مني...

... وعدت إلى التي أقرؤه. وفي النفس حسرة والتياع، فما زادتني قراءته شيئاً من العلم إلا أن مصطفى صادق الرافعي قد مات؛ وحينئذ أحسنت كأن شيئاً ينصب انصباباً في نفسي، وأن صوتاً من الغيب يتناولني من جهاتي الأربع يهتف بي، وأن حياة من وراء الحياة تكتنفني الساعة لتملي على شيئاً أو تتحدث إلى بشيء. ونفذت إلى أعماق السر حين شعرت كأن عينين تطلان على من وراء هذا العالم المنظور لتأمراني أمراً، هما عينا الرجل الذي أحببته حباً فوق الحب، وأخلصت له وأخلص لى إخلاصاً ليس منه إخلاص الناس، ثم نزغ الشيطان بيني وبينه ففارقته وفي نفسي إليه نزوع وفي نفسه إلى، ثم لم ألقه من بعد إلا مرسوماً في ورقة مجللة بالسواد.... وانحدرت من عيني دمعتان!

.... وانطلق بي الترام إلى غير وجهة معروفة، والدنيا في نفسي غير الدنيا، والناس من حولي غير الناس؛ فلما صار بي الترام في ميدان (العتبة) رأيت جماعة من الشباب والصبيان يسيرون في موكبهم وموسيقاهم هاتفين بنشيد الرافعي:

حماة الحمى يا حماة الحمى هلموا هلموا لمجد الزمن
لقد صرخت في العروق الدما نموت نموت ويحيا الوطن

فكأنما كانت أصوات هؤلاء الشبان، في تلك الساعة، هاتفة بهذا النشيد، لتنبهني إلى أن الرافعي الذي وقع في نفسي منذ قليل أنه مات، هو حي لم يمت؛ وأن هذه النقلة من حياة إلى حياة، خليقة بأن تكون لمثل الرافعي هي الميلاد الثاني، وثابت إلى نفسي، فاستشعرت برد الراحة وهدوء الايمان.

وانتهيت إلى (نادى دار العلوم) فما جلست قليلاً حتى أقبل صديقي الأستاذ محمود شاكر وفي عينيه دموع وفي شفتيه اختلاج فمد إلى يداً يصافحني وهو يقول : « الرافعي مات... » وأطرق وأطرقت، وانسرب الفكر في مساربه، فما عرفت إلا منذ الساعة أي واجب عليّ لهذا الراحل العزيز...

***

لقد عاش الرافعي في هذه الأمة وكأنه ليس منها، فما أدت له في حياته واجباً، ولا اعترفت له بحق، ولا أقامت معه على رأى؟ وكأنما اجتمع له هو وحده تراث الأجيال من هذه الأمة العربية المسلمة، فعاش ما عاش ينبهها إلى حقائق وجودها ومقومات قوميتها، على حين كانت تعيش هي في ضلال التقليد وأوهام التجديد. ورضى هو مقامه منها غريباً معتزلاً عن الناس لا يعرفه أحد إلا من خلال ما يؤلف من الكتب وينشر في الصحف، أو من خلال ما يكتب عنه خصومه الأكثرون، وهو ماض على سنته، سائر على نهجه، لا يبالي أن يكون منزله بين الناس في موضع الرضا أو موضع السخط والغضب، ولا ينظر لغير الهدف الذي جعله لنفسه منذ يومه الأول، وهو أن يكون من هذه الأمة لسانها العربي في هذه العجمة المستعربة، وأن يكون لهذا الدين حارسه وحاميه، يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال؛ وما كان - رحمه الله - يرى في ذلك إلا أن الله قد وضعه في هذا الموضع ليكون عليه وحده حياطة الدين والعربية، لا ينال منهما نائل إلا انبرى له، ولا يتقحم عليهما متقحم إلا وقف في وجهه؛ كأن ذلك (فرض عين) عليه وهو على المسلمين (فرض كفاية)؛ وأحسبه قال لي مرة وقد كتب إليه صديق يلفته إلى مقال نشرته صحيفة من الصحف لكاتب من الكتاب تناول

فيه آية من القرآن بسوء التأويل : « يا سعيد، من تراه يقوم لهذا الأمر إن سكت الرافعي؟ » وما كان هذا من اعتداده بنفسه، ولكنه كان مذهبه وإليه غايته، وكأن القدر هو الذي هيأه وأنشأه بأسبابها لهذا الزمان قد فرضت عليه وحده سداد هذا الثغر؛ وكان إلى ذلك لا ينفك باحثاً مدققاً في بطون الكتب حيناً وفي أعماق نفسه المؤمنة حيناً آخر، ليستجلي غامضة من غوامض هذا الدين أو يكشف عن سر من أسراره فينشر منه على الناس؛ وأحسبه بذلك قد أجد على الإسلام معانى لم تكن تخطر على قلب واحد من علماء السلف، وأراه بذلك كان يمثل (تطور الفكرة الإسلامية) في هذا العصر. فإذا كانت الأمة العربية المسلمة قد فقدت الرافعي فما فقدت فيه الكاتب، ولا الشاعر ولا الأديب؛ ولكنها فقدت الرجل الذى كان ولن يكون لها مثله في الدفاع عن دينها ولغتها، وفى النظر إلى أعماق هذا الدين يزاوج بينه وبين حقائق العلم وحقائق النفس المستجدة في هذا العصر، ولقد يكون في العربية كتاب وشعراء وأدباء لهم الصيت النابه، والذكر الذائع، والصوت المسموع؛ ولكن أين منهم الرجل الذي يقوم لما كان يقوم له الرافعي: لا يترخص في دينه، ولا يتهاون في لغته، ولا يتسامح لقائل أن يقول في هذا الدين أو في هذه اللغة حتى يرده من هدف إلى هدف أو يفرض عليه الصمت....

وبعد فماذا يعرف الناس عن الرافعي، وماذا أعرف؟ هل يعرف الناس إلا ديوان الرافعي، وكتب الرافعي، ومقالات الرافعي؟ ولكن الرافعي الذي يجب أن يعرفه أدباء العربية ليس هناك. فماذا يكتب عنه الكاتبون غداً إذا أرادوا أن يكتبوا هذا الفصل الذى تم تأليفه في تاريخ العربية، وماذا يقول الراثون عنه في حفلة التأبين؟

لقد عشت مع الرافعي عمراً من عمري في كتبه ومقالاته فما عرفته العرفان الحق؛ وعشت معه بعد ذلك في مجلسه وفي خاصته وخلطته بنفسي وخلطني بنفسه؛ فما أبعد الفرق بين الصورتين اللتين كانتا له في نفسي من قبل ومن بعد؛ أفتراني بهذا أستطيع أن أقول عن الرافعي شيئاً أؤدي به بعض ما علي من الدين للعربية وللفقيد العزيز؟ مالي أتهيب هذا المجال فلا أقدم حتى أحجم؟ انني لأحس عبئاً ثقيلاً على عاتقي، لا طاقة لي بأن أحمله، وليس على أحد غيرى أن يقوم به. ولقد طلب إلي الأستاذ الزيات منذ عامين أن أكتب شيئاً عن الرافعي يعرفه الى قراء « الرسالة » فما أحسبني لقيت في ذلك من الجهد إلا بمقدار ما استحضرت الفكر وتناولت القلم؛ على أن الرافعي كان يومئذ حياً، وكنت أحذر أن ينضب أو ينالني منه عتب؛ فكيف بي اليوم والرافعي بعيد في العالم الثاني، والكلمة اليوم للتاريخ، ووسائل العلم مني قريبة؛ ورسائل الأستاذ الزيات تترى تستنجزني الوعد وتقتضيني الحق الذي على للأدب والعربية، وصوت الفقيد العزيز يهتف بي حيثما توجهت: « إن لى عليك حقاً وإن للأدب عليك!...!»

ولكنى ما أكاد أمسك القلم حتى يكتنفني الشعور بالعجز فأكاد أوقن أنه لا أحد يستطيع أن يكتب عن الرافعي إلا الرافعي نفسه، ولكن الرافعي قد مات به...

أيها الحبيب العزيز الذي ما أزال من كثرة ذكراه كأنني منه على ميعاد، معذرة إليك!

***

وهأنذا أحاول أن أكتب عن الرافعي؛ فلا ينتظر أحد مني أن أتكلم عن الرافعي الشاعر، أو الرافعي الكاتب، أو الرافعي الأديب، أو الرافعي الفيلسوف؛ فما يتسع لي الوقت، وما يرضيني عن نفسي ولا يقنعني بالوفاء أن أكتب عن هذه الحيوات الكثيرة التي اجتمعت في حياة إنسان، فليهض لذلك غيري؛ ولكني سأكتب عن الرافعي الرجل الذى عاشرته زمناً، ونعمت بصحبته، وخلطته بنفسي، وتحدث قلبه إلى قلبي، وتكاشفت روحه وروحي؛ سأكتب عن الرافعي الرجل الذي عاش على هذه الأرض سبعاً وخمسين سنة ثم طواه الموت؛ سأحاول أن أجمع شتات حياة تفرقت أخباراً وأقاصيص ونوادر على لسان معاصريه أو غابت سراً في صدور أهله وخاصته؛ أما الرافعي الشاعر الكاتب الأديب الفيلسوف فسيجد الباحثون مما أقول عنه مادة لما يقولون فيه، ولعلي أن أوفق في البلوغ إلى ما قصدت. وإنني لألجم نفسي عن كثرة ما أحب الرافعي، أن أتحيف الأدب لو بدا لي أن أقول: هذا رأيي. ولكني سأقول: هذا ما رأيت. فمن كانت له عين بصيرة تنفذ إلى ماوراء المرئيات وتربط الأسباب بالمسببات فسيبلغ جهده ويرى رأيه.

الرافعي في يومه الأخير

ولقد كان الرافعي منذ شهرين إنساناً حياً بمواظفه وأمياله وحبه وبغضه وشهواته النفسية ، ولكنه اليوم فصل من تاريخ العربية بألوانه وفنونه ؛ فلا على اليوم إن قلت كل ما أعرف عنه خيراً وشراً ؛ فإنما أكتب للتاريخ ، والتاريخ لا يحابى ولا يحتسب، وستمر بي في تاريخ الرافعي حوادث وأسماء سأصفها وأعرف عنها بقدر ما ، كما سمعتها أو عرفت عنها ؛ فأيما كاتب أو أديب أو رجل أو امرأة أو ذي شأن أحس فيها أكتب شيئاً ناله بما يوجب المدح أو المذمة فلا يشكر ولا يتعتب ؛ فان التاريخ بعد أن يقع لا يمكن محوه بممحاة تلميذ ... وما فات من تاريخ الإنسان فهو جزء انفصل من حياة صاحبه ، وإنما له ما هو آت ، وما أحب أن يقول لي أحد صدقت أو كذبت ؛ فما هذا الذى أكتب رأيا أراه ، ولكنه رؤية رأيتها أو رواية رويتها فأثبتها مسندة إلى راويها وعليه تبعتها .

إن التاريخ الأدبي للرافعي يبدأ من سنة ١٩٠٠ وتاريخ ميلاده قبل ذلك بعشرين سنة ؛ وأنا ما بدأت صلتي بالرافعي إلا سنة ١٩٣٢ فما كان من هذا التاريخ فسأرويه من غيب صدرى أو مذكراتي وعلى تبعته ، وما كان من قبل فقد سمعت به من أهله وأصدقائه الأدنين وخلطائه منذ صباه ، أو كان مما قصه على أو عرفت عنه. من أوراقه الخاصة ورسائله إلى صحبه ورسائل صحبه إليه . فهذه مصادر علمي أقدمها بين يدى هذا الحديث ليعرف قارئه أين مكانه من الصدق ومنزلته من الحق . على أن الذاكرة خئون ، وما يمر على فكر الإنسان من مختلف الحوادث وصروف الأيام ينسيه أو يلهيه أو يخلط في معلوماته شيئاً بشيء ؛ فمن كان يعرف شيئاً من تاريخ الرافعي ورأى أني تصرفت فيه بنقص أو زيادة أو تغيير أو تبديل فليراجعنى الرأى وليرشدني إلى الصواب ، على أن أكون عنده بمنزلة من حسن الظن وأن يكون عند نفسه ؛ وإلا فليرحنى وليرح نفسه فما في حاجة إليه ولا به حاجة . ورجائي هذا إلى أصدقاء الرافعي وخاصته وخلطائه ؛ أما الذين يروون عن السماع فليعلموا أن الحديث المتداول يزيد وينقص ، فما أرويه هو أقرب إلى الحق مما قد يكونون سمعوه .

***

۹۰۱

في الساعة الثانية بعد ظهر الأحد ١٣ مايو سنة ١٩٣٧ نهض الرافعي عن مكتبه في محكمة طنطا الكلية الأهلية منطلقاً إلى داره في رفقة صديقه الأديب أمين حافظ شرف ، وتحت إبطه عديد من الكتب والصحف والمجلات ، تعود ألا يسير إلا ومعه مثلها ، وفي يمناه عصاه يهزها أمام ووراء ؛ وما افترقا حتى تواعدا على اللقاء مساءً في مكان ما ، ليذهبا معا إلى ( متنزه البلدية ) فيشاهدا فرقة راقصة هبطت إلى المدينة منذ قريب . وتغدى الرافعي وصلى الظهر ونام ، ثم نهض في الساعة الخامسة فصلى العصر وجلس يداعب أولاده قليلا – وجلوسه مع أولاده يداعبهم ويمزح معهم ويتبسط لهم جزء من عمله اليومى – ثم ذهب إلى عيادة الدكتور محمد الرافعي حيث لقي هناك أخاه الدكتور نبوى وصهره الأستاذ مغازى البرقوقي، فجلس الرافعي يمزح ويضحك ويتندر أكثر مما عرف عنه من المزاح والضحك والتندر في يوم من الأيام ؛ ثم صلى المغرب والعشاء في العيادة ، ودعا أخاه ليصحبه الى مأتم جار من العامة ليعزيا أهله ؛ والمعروف عن الرافعي أنه كان يكره حضور المآتم وتقديم التعازي كراهة ظاهرة ؛ وقلما كنت تشاهده في مأتم إلا في النادر ، حتى أنه لما توفيت زوج ابنه الأستاذ سامي الرافعي لم يجلس في المأتم إلا لحظات ، ثم انفرد في خلوته يستوحى الحادثة مقاله المعروف : « عروس تزف إلى قبرها ! » وجاء المعزون يلتمسون الأستاذ الرافعي فلم يجدوا إلا ولده وصهره . أفكان الرافعي بحضور هذا المأتم في يومه الأخير يريد أن يصل نسباً أو يعقد آصرة بالعالم الثاني ؟ أو كان ميعاداً الى لقاء قريب ... !

ثم ذهب الرافعي بعد التعزية الى موعد صديقه ماشياً ، وقطعا الطريق الى المتنزه على الأقدام ؛ فتفرجا ، وشاهدا ما شاهدا في الحفلة الراقصة ، وأخذ الرافعي ما أخذ من وحي الراقصات لفته ومادته الأدبية ، وأخذ صديقه ما أخذ ؛ أفكان بهذه الحفلة يريد أن يصل ما انقطع من قصة ( الجمال البائس ) و ( القلب المسكين ) و ( في اللعب ولا تحترق ) . . .؟

وفي منتصف الساعة الثانية عشرة كان الرافعي في طريقه إلى

بيته، بعد ما ودع صديقه في منتصف الطريق ؛ فلما بلغ الدار ، خلع ثيابه وتناول عشاء خفيفاً من الخبز والبطارخ ، والبطارخ طعام الرافعي الذي يحبه ويؤثره على كل طعام في المساء ، لأن له عملا أدبياً معه ....

واستيقظ مع الفجر على عادته كل يوم ، فتوضأ وصلى ، وجلس في مصلاه يدعو الله ويتلو قرآن الفجر . وأحس بعد لحظة حراقاً في معدته فتناول دواءه وعاد إلى مصلاه ، وصحا ولده الدكتور محمد فشكا إليه ما يجد في معدته ، وما كان إلا شيئاً مما يعتاده ويعتاد الناس كثيراً من حموضة في المعدة ، فأعطاه الدكتور شيئاً من دواء وأشار عليه أن ينام ، ولبس الدكتور ثيابه ، ومضى ليدرك القطار الأول إلى القاهرة ، ومضت ساعة ؛ ثم نهض الرافعي من فراشه لا يحس ألما ولا يشكوها وما به علة ، فأخذ طريقه إلى الحمام ؛ فلما كان في البهو سمع أهل البيت سقطة عنيفة أحدثت صوتاً شديداً ؛ فهبوا مذعورين ليجدوا عميد الدار جسداً بلا روح .

قال الدكتور محمد : « ولما وجدت البرقية تنتظرني في محطة القاهرة وليس فيها سبب ما يدعونني إليه ، تحيرت حيرة شديدة ؛ بلي قد أيقنت أن شيئاً حدث ، وأن كارثة وقعت ؛ ولكن لم يخطر في بالي أنه أبي.. لقد تركته منذ ساعتين سليما معافى قوى القلب أقوى ما يكون قلب رجل فى سنه .... كل المفاجآت المروعة قد خطرت في بالي إلا هذا الخاطر ، ولكن ... ولكن الذي مات كان أبي ... ! »

يا صديقي .. لك العزاء ولنا ؛ أحسبت أن الرافعي سيموت في فراشه وهو قد نذر أن يموت في الجهاد وفي يده الراية ينافح بها الشرك ويدعو إلى الله ويواصل حملة التطهير ...؟

طبت نفسا يا مصطفى، لكم كنت تخشى الهرم والمرض والزمانة ولزوم الفراش وثقل الأيام التي تعد من الحياة وما هي من الحياة ، فأى كرامة نلت ؟ وأي مجاز جزت ؟ وهل رأيت الطريق بين الحياتين إلا ما كنت تريد ؟ وهل كانت إلا خفقة نفس نقلتك من ملأ إلى ملأ أرحب وأوسع في كنف الخلد وفي ظلال الجنة ؟ يرحمك الله يا صديقي ويرحمنا !

( لها بقية ) ه طنطا محمد سعيد العريان

الفلسفة الشرقية

بحوث تحليلية

بقلم الدكتور محمد غلاب
أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

– ١٣ –

البوذية

لما كانت البوذية ثانية الديانتين الجوهريتين في بلاد الهند ، فقد كان من الطبيعي – وقد بدأنا بالبراهمة – أن تثني بها محاولين إيضاح غوامضها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، ولكن ينبنى لنا قبل الدخول في تفاصيل هذا المذهب أن نلم بشيء مما حواه لنا التاريخ الغامض عن حياة المنشىء العظيم لهذه الديانة الخطيرة التي لعبت في تاريخ الانسانية دوراً من أهم الأدوار . وإليك هذا الموجز المضطرب من حياة هذا الزعيم الديني الكبير. ولد « جوتا ما سيرهارتها » فى «كابيلا فاستو » على حدود « نيبال » حوالى سنة ٥٦٠ قبل المسيح من أسرة نبيلة ، إذ كان والده رئيس قبيلة « ساكيا » . ولما شب زهد في نعمة والده وأخذ هذا الزهد يزداد شيئاً فشيئاً حتى إذا بلغ من نفسه منتهاه ألقى بالحلل الفاخرة جانباً واستبدلها بثياب خشنة مرقعة ثم هجر منزل أسرته إلى الغابات والأحراش لا يلوى على شيء من مظاهر النعمة التي كانت تحدق به إحداق السوار بالمعصم ، لأنه آمن بأن مصدر جميع هذه الآلام التي تكتظ بها الحياة البشرية إنما هو الهوى المنبعث من الشهوات الجسمانية ، وأن المخلص الوحيد من هذا السجن المطبق إنما هو فى التلاشى المادى ، وهذا المتلاشي لا يتحقق إلا بالزهادة والتخلى عن جميع ملاذ الحياة وشهواتها .

وقد أيقن كذلك بأن اللذائذ المادية ستار من الظلام يحجب عن النفس كل معرفة حقة ، فالوسيلة الوحيدة إذا ، للتخلص من الألم ولتحقيق المعرفة هي الزهادة في المادة من جميع نواحيها .

لم تكد هذه العقيدة تستولي على نفسه حتى بدأ في تحقيقها ، فانسلخ عن كل مظاهر الترف وانسحب عن المدينة إلى إحدى

الغابات الموحشة ، فآوى فيها إلى شجرة كبيرة اتخذ تحت ظلالها الوارفة مقامه ، ثم أخذ يحاسب نفسه على ما قدمه من خير وشر حيناً ، ويتأمل في أسرار الكون وخفايا الوجود حيناً آخر ، واستمر على ذلك زمناً طويلا لا يزاول من أساليب الحياة إلا هذا الأسلوب المماثل الذي لا فرق بين أمسه ويومه وغده .. وأخيراً شعر ذات ليلة وهو سابح في بحار الفكر والتأمل أن المعرفة قد انقذفت إلى قلبه دفعة واحدة ، وأن أداء واجبه منذ اليوم لم يعد يتحقق بالنسك والتأمل فحسب كما كان قبل ليلة المعرفة ، وإنما أصبح يتناول إلى جانب ذلك شيئاً آخر ، وهو التبشير بمذهبه في كل مكان ، ومحاولة غرسه في كل قلب ، فهب لساعته يصدع بديانته الجديدة جهراً وفى غير مبالاة ، وسرعان ما تجمع حوله عدد من الشباب والشيوخ يتشربون تعاليمه تشرب الأرض اليابسة للمياه ، ثم جعل عدد هؤلاء التلاميذ يزيد شيئاً فشيئاً وأخذت هذه الديانة تعم ويتسع نظامها حتي بلغ عدد معتنقيها نحو أربعمائة وسبعين مليونا من الأنفس في الشرق الأقصى .

كان بدء بوذا في الصدع برسالته على رأس العام السادس والثلاثين من عمره ، فظل جهاده في نشرها زهاء أربع وأربعين سنة لم ينضب أثناءها لنقاشه نبع ، ولم يخفت لتبشيره بدينه صوت ، ولكن لم يثبت عنه أثناء هذا الزمن الطويل الذى قضاه في نشر رسالته أنه غضب مرة واحدة مع مناقشه ، بل كانت الرحمة والعطف يفيضان من أساليبه في مختلف الظروف ومتباين الأحوال لا فرق بين أن يكون مناقشه من تلاميذه المحبين أو من خصومه الحاقدين .

وأخيراً توفى هذا الحكيم حوالى سنة ٤٨٠ قبل المسيح عن ثمانين عاما قضاها بين الزهد والتقشف والدعوة لديانته الجديدة ، وكان موته بين جمع من تلاميذه الأصفياء – مثال البساطة البعيدة عن جميع مظاهر الجلال التي تحوط عادة آخر ساعات عظماء الرجال

شخصية بوذا بين الشك واليقين

سأل الملك « ميلاندا » أحد ملوك الهند الأقدمين الحكيم « ناجازينا » وهو أحد أتباع البوذية قائلا : « أيها الحكيم المحترم هل رأيت بوذا ؟ » فأجاب الحكيم : « كلا يا صاحب الجلالة » . س : « وهل أساتذتك رأوه ؟ » : ج - « ولا أساتذتى يا صاحب الجلالة » قال الملك : « إذا ، ياناجازينا ، فليس هناك بوذا ما دام لم يقم على وجوده برهان قوى » . فلما سمع الحكيم « ناجازينا » هذا الاعتراض الذي وجهه الملك إلى إلهه ، وكان حقا لا يملك على وجوده برهانا مباشرا ، شرع يدلل عليه بآثاره الكونية فقال: « إذا غاب بوذا عن الأنظار ، فهنالك آثاره التي أنشأها ، ومصنوعاته التي خلقها فهي أقوى الأدلة على وجوده ، هنالك هذا العالم البديع الذي خلقه ، وهناك هذا العدد العظيم الذي أرسى سفنه بحكمته وقدرته على شاطيء النجاة بعد أن أنقذها من خضم الألم . وإذا كان من يرى مدينة منسقة بديعة التكوين والتنظيم لا يستطيع إلا أن يعلن إعجابه بمنشها وأن يرفع الصوت قائلا : ما أحكم هذا المهندس الماهر الذي شيد هذه المدينة وأتقن تنظيمها ! فالأمر يجب أن يكون كذلك بالنسبة إلى مدينة الكون العام التي أنشأها بوذا وأحكم تنسيقها .

وفي الحق أن نظرة واحدة إلى ما عليه الكون من نظام وانسجام تكفى لترسيخ الإيمان اليقيني بوجود بوذا ، . فلم يكد الملك يسمع من الحكيم هذا البرهان حتى أعلن أنه مقتنع بوجود بوذا اقتناعه بوجود جده الأعلى مؤسس أسرته المالكة الذى لم يره كذلك ، وصرح بأن المشاهدة ليست كل شيء ، وأعلن أن كثيراً مما لا تعترف به المشاهدة له وجود واقعي يقيني

ويعلق الأستاذ «أولترامار» في كتابه « تاريخ وحدة الوجود الهندية » على هذا بقوله : « أما النقد الحديث ، فلا يجد في هذا البرهان ما وجده ذلك الملك الطيب القلب من الرضى والاطمئنان فهو إذ يوافق على أن مؤسس البوذية وجد تاريخياً لا يستطيع أن يؤمن بأن هذا المؤسس كان في الواقع على النحو الذي صورته عليه الأسطورة الهندية ، وفوق ذلك فتاريخ الديانات يعترف في صراحة أمام النقد الحديث بأن براهين هذا الحكيم كانت مبنية على أسس ضعيفة واهية لا تستطيع الثبات في ميدان الجدل المنطقي وأن قيمة هذه البراهين تزيد ضالة بقدر ما يكشف التاريخ أن أهم مصادرها هو الأساطير الشعبية المفعمة بالخرافات والأباطيل »

ويؤكد الأستاذ « أولترامار » أن استخلاص العناصر التاريخية الصحيحة من وسط ذلك المحيط الهائل المليء بالأساطير الخيالية في ترجمة بوذا وصفاته وتعاليمه من الصعوبة بموضع ، وهو

لهذا يحيل القارئ إلى مؤلفات ثلاثة رجال من كبار العلماء الذين وصلوا إلى نتائج بحوث قيمة في هذا الموضوع ، ليستأنس بآرائهم وهم : « كيرن » و « سينار» و « أولد نبيرج » . فأما أول هؤلاء العلماء وهو الأستاذ « كيرن » فهو ينكر إنكاراً تاماً القيمة التاريخية لهذه الأساطير ويصرح بأنه لا أثر للحقيقة فى كل ما نقل لنا عن « بوذا » وبأن هذه السيرة البوذية لم تكن إلا رموزاً للمثل العليا في نظر الشعب

وأما الأستاذ « سينار » فهو لا يرى في السيرة البوذية أكثر من أنها أسطورة قديمة رصعت بأبهى ما وعاه الشعب من أخلاق عدة أبطال طواهم الزمن فنسيت أسماؤهم وعلقت بالأذهان آثار بطولتهم

وأما الأستاذ « أولد نبيرج » فهو أقل قسوة على بوذا من زميليه ، إذ يعترف بأن طائفة من الحقائق الحائرة منبثة في وسط هذا البحر من الأساطير وأنه يتيسر للباحث الدقيق أن يستخلص من بين الفرث والدم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين . أما بوذا على حالته التي هو عليها الآن في الأسطورة قبل تمييز الخيال من الحقيقة فهو لا يبعد عن كونه شخصية رمزية

ويميل الأستاذ « أولترامار » إلى هذا الرأي الأخير ، إذ يعتقد أن الباحث العميق يمكنه أن يصل – عن طريق الموازنة الدقيقة بين كل المصادر - إلى حقائق يقينية عن شخصية بوذا وديانته وتعاليمه وأنه هو شخصياً قد وصل إلى كثير من هذه الحقائق ، وأن إحدى هذه الحقائق التي وصل إليها هي أن بوذا قد وجد حقاً ، وأنه كان شخصية غير عادية لها من الميزات مالم يفز بها سواها في العصر الذي كانت تعيش فيه ، وأن هذا الرجل – بصرف النظر عما أحكمت حوله الأساطير من سياج التأليه - كان قوى الإرادة إلى حد بعيد ، ولكن هذه القوة وجهت كلها إلى النضال الداخلى ، فبينا كان ظاهره يدل على الوداعة ولين الجانب وخفض الجناح كانت نفسه تحوى في داخلها عراكا قويا ضد الشهوات والرغبات ولم يسمح لهذا النضال أن يتجاوز نفسه إلى الخارج إلا في ناحية واحدة وهي ناحية إقناع سائليه ومناقشيه ولكن هذا الإقناع كان دائماً ممزوجا بروح السلام العام الذي يتخلل كل نواحي مذهبه وعنده أنه كما أن الأرض تحمل ما يأتي فوق ظهرها من خبائث الأشياء دون ضجر وتتقبلها قبولها للطبيبات ، كذلك يجب على البوذى أن يحتمل باسما احتقار الناس وإهاناتهم وأن يتقبلها بنفس الروح التي يتقبل بها الاجلال والتشريف . وكما أن الماء يتخلص عن التراب ، ليروى الظمان ، كذلك يجب على البوذي أن يشعر أعداءه بنفس الخيرية التي يشعر بها أصدقاءه

وأهم ما يلفت النظر في شخصية بوذا هو أن وثوقه بنفسه وإيمانه بمبدئه ، وعقيدته في نجاح رسالته لم تكن ممكنة التشبيه بأى شيء آخر ، وهو لهذا يقول : « إن من المحتم أن هناك طريقاً للخلاص ، وأن من المستحيل ألا توجد هذه الطريق ، وسأعرف كيف أبحث عنها ، وسأجد حتما تلك الوسيلة التي توصل إلى الخلاص من كل وجود .

كان بوذا يجمع حوله الشباب ، ليلقي عليهم تعاليمه المؤثرة التي كانت تنال من نفوسهم منالا بعيد النور ، ولكن الأسطورة التي كانت كأنها إطار حول حياته زعمت أن موجة من الايمان كانت تخرج من عينى بوذا بمجرد نظره إلى تلاميذه فتسلك سبيلها إلى قلوبهم وتحتلها احتلالا قوياً قبل أن تنبس شفتاه بأية كلمة من تعاليمه.

( يتبع )

محمد غلاب

قلم حبر الكتابة

«سفنكس»

الأنيق ذو الريشة الذهبية المضمونة

لظهوره لأول مرة بالقطر المصرى وللاعلان يباع بنصف قيمته ٢٠ و ٤٠ قرش صاغ

في القاهرة

مكتبة الصيرفي

بأول شارع محمد على

في الاسكندرية

مكتبة الاتحاد

بأول شارع فرنسا

لمشتركي مجلة الرسالة والرواية ١٠٪ تنزيل

حديث في سفر

للأستاذ محمود السيد

لقد كان التطلع إلى الأحداث الجارية منذ يوم الهدنة التي أعقبت الحرب الكبرى في البلاد الشرقية المجاورة لنا ، ديدني ، والسفر إليها غايتي ، ومعرفة بواعث النهضات الرائعة التي نهضها أهلها ، مقصدى . وكنت أحاول البدء بتركية التي أحسن لفتها وألم بعض الالمام بأدبها القوى في حيويته الرقيق بجماله ، فلم أوفق . على أني قد وفقت في العام الثاني والثلاثين والتسعمائة والألف ، لزيارة بلاد الجارة الصديقة إيران ، وكنت يومئذ تعباً جداً من لغوب الحياة الراكدة ، سائماً أيامها المتوالية المتكررة عندنا في غير ما انبعاث صحيح ، ولا انقلاب من العهد القديم إلى عهد الدنيا الحديث ؛ نازعاً إلى اغتراب أنسى فيه ، إلى حين من الزمن ، آلام المتطلعين من أبناء الشعب الصابر النبيل ، إلى حياة هنيئة حرة في مجد جديد يرام كالمجد القديم ؛ وقد أسمع وأرى ما يذكر ويفيد.

غادرت بغداد شاخصاً إلى طهران مساء اليوم السابع عشر من شهر أيار ، مستقلا قطار خانقين . وفي فجر اليوم التالي بلغت هذه البلدة الصغيرة التي يتكلم قطينها شتى اللغي ، لأنها بلدة الحدود ونافذة العراق المطلة على إيران . وقد ذكرت فيها والأسف يحز في قلبي كائنة المغول الأولى ، إذ جاءوها في محرم الحرام من العام الثالث والأربعين والستمائة للهجرة ، نازلين إليها من همذان ففتحوها ثم قربوا من يعقوبا ؛ وكانت بغداد سكرى في غفلة عن الزمن القلب الحول والأقدار النادرة . ولم يفعل خليفتها ووزيره وصحبهما سوى الهيؤ - التهيؤ فقط – للدفاع بأجناد من الخلائق فقدت المثل العليا ، فخارت عزائمها ووهت بعد مرة ، إذ أوهنها تخنيث الترف ، وتبليل العقائد ، وانحطاط الخلق ، واضمحلال روح الاستقلال ، ثم ارتد المغول عنها متحفزين لهجمة ثانية قاضية . وكذلك فعلوا ، فقد عادوا مرة أخرى في العام الخامس والخمسين بعد الستمائة للهجرة يقودهم هلاكو . . .

لم أقيم في خانقين التي كانت طريق البلاء الأكبر النازل على العراق بعد ازدهار الحضارة العربية الاسلامية فيه ، إلا ساعتين . واكتريت لى سيارة رافقني فيها إلى كرمانشاهان تاجر ايراني ذو سجاحة وظرف : ثم جاء بعده عقيب السري منها مسافر عراقي من مشايخ العلم ، تراءت لي في محياه دلائل الحماسة في الدين ، وفي سلوكه دلائل الحماسة في القومية . فهو عربي من أهل النجف ، يدرك روح العصر بعض الإدراك ، على ميل شديد فيه إلى الماضي ، وحنين إلى دولة العرب في أيامهم الذهبية التي خلت من قبل . وكان سميراً من الطراز الأول ، ورجلا يصلح ، لو أدرك روح العصر كل الادراك ، لأن يكون قريباً من الكمال الانساني المجرد من الصفات التي يخلفها على الانسان في المجتمع نضال المتعصبين في الملل واعتراك النحل وتصادمها . وهو – كما كان يقول – من العاملين لآخرتهم كأنه موشك أن يموت غدا ، ومن العاملين لدنياهم كأنه يريد أن يعيش أبداً . وقد حداني الحديث ذو الشجون إلى أن أسأله : من السعيد في الدنيا أيها الشيخ الفقيه ؟

فأجابني وهو يعبس بمسبحته السوداء : ومن ذا الذى تعني ؟ السعيد من أهل السياسة ؟ السعيد من أهل الحزب والطعان ؟ السعيد من التجار ؟ السعيد من المحترفين خدمة الحكومة بأعمال الدولة ؟ السعيد من ذوي الحرف والصناعات ؟ .. إلخ

فتحيرني تسأله هذا ، وأعجبت بمنطقه ، فقلت وقد أدركت بعض قصده : من السعيد من الطبقة التي تنتمى إليها أنت ياشيخي ؟

قال : أحسنت . لقد حددت التعريف فأنصفت .. السعيد منا نحن رجال العلم القديم والدين من صح فيه قول عمر بن عبد العزيز الوراق لأبي بكر بن حزم : « إن الطالبين الذين أنجحوا والتجار الذين ربحوا هم الذين اشتروا الباقى الذى يدوم بالفاني المذموم ، فاغتبطوا ببيعهم ، وحمدوا عاقبة أمرهم ... فالسعيد الموفق من أكل من عاجله قصداً ، وقدم ليوم فقره ذخراً ، وخرج من الدنيا محموداً ... » .

قلت : يا شيخي هذه فلسفة صوفية قد تنافى ـ إذا كنت مقتصراً عليها ـ ما زعمت لي إذ قلت في بعض حديثك إنك من العاملين للآخرة ومن العاملين للدنيا فأهملت الدنيا هنا ؟ أليست هي على رأيك : « الأمر الفاني المذموم » . .

قال : إذن لا بد من إيضاح .. إن أمرها لفان ومذموم

لأمثالي إذا ما اقتصرنا فى الحياة عليه . وهذا التشديد في ذمها صمام أمننا ، لأننا صرنا إلى حال لا تَسُرُّ المؤمن المحض ؛ وإذا كان هذا العصر عصر الاختصاص، فإننا قد بعدنا - إلا الأقل الأنذر منا - عن اختصاصنا وهو العمل بروح الدين ورحنا نتطلع إلى مطامع الدنيا ، وحطامها ، فنسينا النصيحة والدين هي ، وأقبلنا على كل ما فيه زهو وغرور . . .

قلت : هذا صوت صارخ في البرية ، فهل للشيخ أن ينصحنى ؟

قال : لا تعجل ، فان لكلامي بقية قليلة ، وفي القليل بلغة

فأصفيت إليه ، فمضى يقول : فأما العمل للدنيا بالنسبة إلى ، فاني أحرث الأرض وأزرع في بستان ورثته من آبائي أرضاً قاحلة ، وأتعفف عما في أيدى الناس ، ولا أمد عيني إلى مال ؛ وبمنتوج بستاني وعمل يدى أحفظ على كرامتي ، وأشترى ورقي وحبرى وكتابي وثوبي وطعام عيالي ، وأرفع رأسي موفور العزة في عشيرتي وأهل بلدى ؛ فهل من تقصير لدى بعد هذا في أمر الدنيا ؟

قلت : كلا . لقد أوفيت يا شيخي .

قال : وأنصحك يا صاحبي ـ ولك في غنى عن النصح ـ أن تكون ذا دين ، فاني لأشم في رائحة كتبك هذه التي تحمل بين يديك في رحلتك ، التي لا أعرف منها الغاية والمدى ، شيئاً أراه فوق التجدد الذي أنشده - مع من ينشده – لكم معشر الشباب اليوم فقد يسح لكم التجدد على طريقة معتدلة لا تمس الدين ، ولا تذهب بالقومية مذاهب الفناء والدمار ؛ ولكن غير هذا لا يصح .

قلت : ياشيخي ! الآن كنت تنادي بالاختصاص ، فقد فهمت أنك من حماة الدين الذي لن أمسه بسوء إن شاء الله ، وإن كنت أقرأ كتباً تجادل فيه، فلكي أستطلع طلع المجادلين وأعرف مقالاتهم.

قال مقاطعاً : للرد عليهم ولا شك .

فقلت مستمراً في قولى : ولكني أراك في قولتك الأخيرة متطرقاً إلى القومية ، فهل لي أن أفهم رأيك الواحد في النحلتين .

قال : بلي ؟ فأنا قوي بعد كوني مسلماً . وإذا ادعيت مع المدعين أن للعرب الفضل الأكبر في هذه الحضارة العتيدة ، فلن أخطئ الهدف من الصواب . وأنت تعلم أن أجدادنا نشروا ثقافتهم في آسية وأشاعوا علومهم في أوربة صعداً من الأندلس وأسسوا في بلادهم المدارس ، وسافروا إلى أقاصى البلاد في سبيل العلم ، بعد أن نقلوا إلى اللغة العربية كثيراً من الكتب العلمية ، ونقحوها وهذبوها أصولاً وفروعاً ، وأضافوا إلى بعضها ، فأصبح زمام الحركة العالمية العلمية في أيديهم دهرا .

وكان سلطانهم ممتداً من ساحل المحيط الاطلانطيكي إلى تخوم الصين ، وكانوا هم أهل الصنائع والفنون

وكانوا أهل الشرائع العادلة ، وأولى نظام في سياسة الملك قويم ، و آداب خالدة رائعة ، وفلسفات

قلت : معلوم

قال : أجل ، فهذا شيء مفصل في كتب التاريخ ؛ فما الذي يمنعني الآن من أن أفخر بهم ، وبماضيهم المجيد الزاهر ، لكي أبعث في نفوس بني جلدتي - أبنائهم - الصبو إلى السير على آثارهم مع آداء الواجب الحق لما يتطلبه العصر الحديث منها من أعمال مهما كان نوعها ، ترفع لأمتنا رايتها خفاقة بين رايات الأمم الحية القوية المنيعة الجانب ، الرافلة في حلل المدنية ، المتمتعة بمتع المجد والاستقلال . وكذلك كان أجدادنا العرب أولئك في أزمانيهم السعيدة ، وأيامهم الخالدة الذكر ، في سفر الحياة . وإنهم كانوا مع شيوع الفلسفة لديهم مسلمين حق إسلام ، يشعرون برابطة العروبة غالباً ، وإن كانت القومية على الطراز الغربي الجديد غير معروفة لديهم . . . فأكرر لك مرة ثانية : أنا قومى بعد كوني مسلماً ؛ وليس عندى ـ لنفسي ـ رأى غير هذا . . .

إلى هذه النقطة من الحديث بلغ الشيخ . فانتهينا إلى مرحلة من الطريق ، وجبت فيها علينا الراحة . وكنا في ضاحية قرية كائنة على حرف واد يشرف عليه جبل سامق ، نبتت في سفوحه الجنات والحدائق الغلب ؛ فأردت أن أكتفي من الرجل بما سمعت فالتفت الى السائق أسأله « الشاي » له ؛ فقال مبتسماً وهو ينزل من السيارة : لعلك ترى فى كلامى اقتضاباً مخلا ، فاني وان كنت شيخاً ، لا أعرفني الا من أقل الطلبة علما فان ألفيت في منطقي وفي رأيي ما لا تراه وافياً ، فسامحني فيه ، فهذا حديث عجلان ...

« نزيل القاهرة »     محمود . أ . السيد

الخطابة

في عهد علي بن أبي طالب

للأستاذ احمد احمد بدوى

ارتقت الخطابة في عهد على بن أبي طالب ارتقاء واضحاً وصارت سلاحاً قوياً يلجأ إليه الخليفة وخصمه ؛ يثيران بها الأنصار ، ويحفزان النفوس الى الغارة والحروب ؛ ولقد خلف لنا هذا العصر قدراً كبيراً من الخطب ، لم يؤثر مثله طول عهد الخلفاء الراشدين ؛ وليس ذلك بعجيب ؛ فان المسلمين لم يقفوا موقفاً يحتاج الى كثرة الخطابة ، كهذا الموقف الذي وقفوه أيام على ومعاوية .

لم يقف المسلمون قبل اليوم يحارب بعضهم بعضاً ، وانما كانوا يجتمعون الحرب المشركين ، ونشر لواء الدين ، تملأ قلوبهم الروح المعنوية ، والإيمان القوى المتين ، وتحدوهم العقيدة أن لهم احدى الحسنيين ؛ فكان لهم من أنفسهم وازع أي وازع ؛ قلبهم يدفعهم ، وعقيدتهم تقودهم ؛ فلم يكونوا يوم خرجوا المحاربة الفرس والروم فى حاجة الى اطالة القول والإطناب في الخطابة لأن الدين الجديد وعقيدتهم في وجوب نشره كان يحفزهم الى الجهاد ، ويملأ قلوبهم ثقة بالنصر ، معتقدين أن الله يمدهم بروح من عنده ، وأن المجاهد منهم تنتظره جنات وعيون ، أو نعيم الدنيا وما يفتمه من العدو ، وما يناله من الفيء .

أما اليوم فهم مدعوون الحرب قوم لا يشركون بالله ، ولا ينكرون محمداً ، بل هم على دينهم وعقيدتهم ، ومن جنسنهم وملتهم ولذلك كان الموقف الجديد في حاجة الى خطيب يبرر حرب المسلم أخاه المسلم وقتل العربى بنى قومه العرب ، واحتاج قادة الفريقين وزعماؤهم الى الخطابة يقوون بها الروح المعنوية ، ويخلقون في نفوسهم الإيمان بأنهم يحاربون من أجل الحق والدين الذي آمنوا به ، وبأن جهادهم ليس إلا لتمكين الإسلام ، وتنفيذ أحكامه ، وكان المتحاربون في حاجة إلى هذه الروح حتى تشتد سواعدهم على قتل إخوانهم وذوى قرباهم ، وكان الزعماء يلجأون إلى الخطابة كثيراً ، حتى لا تفتر هذه الروح ولا تضعف ؛ وكثرة تكرار القول تدخل في النفوس توهم صدقه وصحته ، وذلك هو السر في كثرة ما ورثناه من خطب هذا العصر كثرة لم نعهدها في خطب الخلفاء حينما كانوا يحضون المسلمين على حرب المشركين .


ولكن الذي بين يدينا من خطب على وصحبه ، أكثر مما ورد لمعاوية وأركان حربه ، ويمكن أن ترجع ذلك إلى أن كثيراً من آثار معاوية وأنصاره ، قد أمتدت إليه يد النسيان والضياع ، بعد سقوط دولبهم ، وتشتت شمل معاونيها ، فان الدولة الأموية بعد سقوطها لم يحاول أنصارها يوماً رفع رءوسهم ولا محاولة رجوعها ، ففقد بفقدانها الكثير من آثار خلفائها ؛ أما العلويون فمع أنهم كانوا يحاربون ويقتلون ، ويلاقون من الحياة الشدة والعناء ، كان لهم في كل مكان الأنصار والمروجون لدعوتهم والساعون إلى إقامة خلافتهم ، وقد نجحوا في كثير من الأحيان فكان من الضرورى لهم أن يحفظوا كلام إمامهم ، وأن يتناقلوا أحاديثه وخطبه .

ويمكن أن نرجعه إلى أن كثيراً من الخطب التي نسبت إلى على وضعت بعد عصره وضعاً ، وأضيفت إليه من غير أن يكون قد قالها ، ولا نريد الآن أن نمحص هذه الخطب ، وأن نبين ما وضع منها وما لم يوضع ، ولكن تقرر أن كثيراً من هذه الخطب ألصق به إلصاقاً ؛ فكان سبب ما نراه من كثرة كلام على كثرة يقل أمامها ما قاله معاوية ؛ هذا إلى أنه مما لا شك فيه أن علياً كان أبين من معاوية قولا وأفصح منه لساناً .

ويمكن أن يكون السبب قلة حاجة معاوية إلى الخطابة بالنسبة إلى على ، فلقد كانت الروح المعنوية في نفوس أهل الشام أقوى وأشد منها في نفوس أهل العراق ، لأن معاوية قد ألقي في روعهم أنهم إنما قاموا يقتصون لخليفة قتل مظلوماً ، ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ؛ ومن أولى بالدفاع عن حق عثمان من معاوية ؟ وكان مكر معاوية ودهاؤه حين يقول : إننا لا نريد منهم سوى قتلة عثمان ، فليدفعوهم إلينا ونحن نبايع صاحبهم - يحرك الشاميين إلى الأخذ بثأر عثمان ، فلا حاجة إلى كثرة الخطابة وتكرير القول ، هذا إلى أن أهل الشام كانوا أطوع لمعاوية من

أهل العراق لعلى . فمعاوية وأبوه وأخوه من قوادهم يوم حارب المسلمون في الشام ، وإلى أن الشاميين كانوا في موقف المدافعين عن بلادهم ، الذائدين عن حياضهم وعن أبنائهم ونسائهم ، وهذا مما يقوى في نفوسهم روح الجهاد ويدفعهم إلى الحرب والقتال .

وهناك سبب آخر هام دعا إلى كثرة خطابة على وصحبه ، فلقد كان الخلاف يمشى إلى قلوب أنصاره ، وكان المخالفون يبينون رأيهم بالخطابة فكان من الضروري أن يقف بينهم خطباء يدعونهم إلى الألفة واجتماع الشمل ؛ هذا إلى أن أصحاب على قد خذلوا خليفتهم ، وتقاعسوا عن نصرته ، فاضطر إلى أن يرقى ذرا المنابر . وأن يرسل فيهم الصيحة تلو الصيحة يحرضهم على مناجزة أعدائه . وللإمام وأنصاره خطب كثيرة في هذا الغرض .

على أن معاوية كان يلجأ إلى الخطابة الصامتة : فما كان عليه الا أن يعلق على المنبر أصابع زوج عثمان التي قطعت في الدفاع عنه ، وقميص عثمان ، فيغنيه هذا عن تدبيج القول واطالة الحديث؛ اذ يجد من حوله ينادون : هيا الى الأخذ بالثأر ، هيا الى الحرب والقتال ؛ وقد يكون السبب مزيجاً من ذلك كله .


لم يكن لعلي بد من أن يخلق في أنصاره الروح المعنوية ، وأن يبرر لهم موقفهم من حرب قومهم واخوانهم ، وأن يملأ قلوبهم بالحماسة والبسالة ، ويوغر صدورهم ضد عدوه معاوية ومن معه ، فأحياناً يلجأ الى العاطفة الدينية يثيرها فيظهر أعداءه في مظهر المارقين عن الدين ، والهادمين لأسسه ومبادئه ، هذا الدين الذي كان أجل ما يعتزون به ويحاربون في سبيله ، فيقول على في خطبة : «رايم الله ماوتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم ، وان هؤلاء القوم لا يقاتلونكم الا عن دينكم ؛ لميتوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة ؛ فطييوا عباد الله أنفساً بدمائكم دون دينكم ، فإن ثوابكم على الله ، والله عنده جنات النعيم ؛ وان الفرار من الزحف فيه السلب للعز ، ومغلبة على الفيء ، وذل المحيا والممات ، وعاب الدنيا والآخرة ، وسخط الله وأليم عقابه »

وهذه الفكرة قد تكررت في أكثر خطب على لتتأكد في نفس أصحابه ؛ ولتصبح عقيدة إلى جانب عقيدتهم ، تدفعهم إلى حرب قومهم وبنى ملتهم .

وأحيانا يثير فيهم الأنانية ، فيبين لهم سوء المنبة إذا انتصر معاوية عليهم ، ويحدثهم عما سوف ينالهم على يديه من الذل والهوان ، فيقول : «أما والله لأن ظهروا عليكم بعدى ، لتجدنهم أرباب سوء ، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم .... وكأني أنظر إليكم تكشون (۱) كشيش الضباب ، لا تأخذون الله حقاً ، ولا تمنعون له حرمة ، وكأني أنظر إليهم ، يحرمونكم ويحجبونكم ، ويدنون الناس دونكم » . وأحسب أن المرء حين يغرس في نفسه أنه إنما يدافع عن كيانه ، ليحفظ على نفسه حياتها وسعادتها وأمنها - يدافع عن حياضه ببسالة وقوة وهو ما يرى إليه على بخطابته .

وتارة يلجأ إلى ماضى أعدائه ؛ فيذكرهم به ، ويتحدث عما كان لهم ولآبائهم من قبلهم من خصومة للإسلام ، وسعى إلى تحطيم أساسه ، ثم يأخذ في بيان ماله من مآثر ومزايا ، تجعل الموازنة بينه وبين معاوية ضربا من العبث ؛ قال على : « . . . لم يرعنى إلا شقاق رجلين قد بايعانى ، وخلاف معاوية ، الذى لم يجعل الله له عز وجل سابقة في الدين ، ولا سلف صدق في الاسلام ، طليق بن طليق ، حزب من الأحزاب ، لم يزل الله عز وجل ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين ـ عدواً ، هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين ؛ فلا عزو إلا خلافكم معه ، وانقيادكم له ، وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، الذين لا ينبني لكم شقاقهم ولا خلافهم ، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً » و بيان مآثر على ومزاياه ، ونقائص معاوية والطعن في أغراضه ومقاصده ، أهم ما يدور عليه خطب العلويين حين يدعون قومهم إلى الحرب والقتال .

أما معاوية بن أبي سفيان فقد لجأ أيضاً إلى الناحية الدينية يثيرها في نفوس قومه ويحفزهم بنها إلى الجهاد والقتال ؛ ينثر أمامهم حجته الوحيدة التي دفعته إلى الخلاف وشق عصا الطاعة وهي قتل عثمان ، وادعاؤه أن علياً آوى قتلته ولم يأخذ بثأره ، ولذلك كان هو ومن معه قوماً نكثوا البيعة ، وسفكوا الدم الحرام في البلد الحرام .

وهناك شيء آخر يستطيع أن يستغله معاوية في إثارة حفيظة قومه : ذلك أن علياً وصحبه قوم أقبلوا من بلادهم ،

واعتدوا على حرمة الشاميين وحرمة ديارهم ، فليس أمامهم إن أرادوا الحياة خالية من العار إلا أن يقاتلوا ويذبوا عن نسائهم وأبنائهم ، قال معاوية يحرص قومه على القتال : « . .. .. أنظروا يا أهل الشام ، إنكم غدا تلقون أهل العراق ؛ فكونوا على إحدى ثلاث خصال : إما أن تكونوا طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم ؛ فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا بيضتكم ، وإما أن تكونوا قوماً تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم ؛ وإما أن تكونوا قوماً تذبون عن نسائكم وأبنائكم ، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل . واسألوا الله لنا ولكم النصر . . . »

. وأيضاً كان يلجأ معاوية وصحبه في تقوية الروح المعنوية إلى الحديث عن ضعف جيش العراق وتفرق كلمته وإدبار أمره ، ولا ريب أن مثل ذلك الحديث يشجع قومه ويغريهم بالثبات ، حتى يتم الانتصار ؛ قام عمرو بن العاص يحرض أهل الشام على القتال فقال : « إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم ، وفلوا حدهم ، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلى ، قد وترهم وقتلهم وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل ، وإنما سار في شرذمة قليلة منهم من قد قتل خليفتكم ؛ فالله الله في حقكم أن تضيعوه ، وفي دمكم أن تطأوه »

أما العلويون فإنهم لم يستغلوا هذه الناحية أيما استغلال ، مما يدل على أن جيش معاوية لم يدع لهم هذه الفرصة ، بل كان جيشاً متحداً متماسكا ، ولكنهم استغلوا ناحية أخرى ؛ هي أن معاوية ليس معه من له قدم سابقة في الاسلام ، أما هم فمعهم جلة الصحابة والأنصار والبدريين ؛ قال الأشتر النخمي يحث العلويين على الحرب : « . . . إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدرى ، سوى من حولكم من أصحاب محمد ، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فمن يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب ! ... » وهذا هو الحق فلقد كان أكثر الصحابة منضمين تحت راية على ، ولكن ذلك لم يستطع الوقوف أمام دهاء معاوية وعمرو بن العاص ؛ فقد استطاعا بفضل ما أوتياه من الحصافة والمكر أن يظهرا بقلتهما على كثرة على ومن تبعه من صحابة وأنصار:

-٤-

لم يكن التحريض على القتال هو كل أغراض الخطباء في ذلك العهد ؛ بل كان من أغراضهم أيضاً الصلح بين المتقاتلين ؛ فلقد سنت الرسل بين الفريقين تريد حقن الدماء ، وكانت الخطابة عماد أحاديثهم ، وإن لم يوفق الخطباء إلى أداء مهمتهم ؛ فلقد كانوا مهددين أكثر منهم سياسيين دهاة ، يستلون السخائم من الصدور . واستمع إلى حبيب بن مسلمة رسول معاوية إلى على يقول : « ... أما بعد فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله عز وجل ، وينيب إلى أمر الله ؛ فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته ، فعدوتم عليه ، وقتلتموه رضى الله عنه ، فادفع إلينا قتلة عثمان ؛ إن زعمت أنك لم تقتله ، نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس ، فيكون أمرهم شورى بينهم ، يولى الناس أمرهم من أجمع عليهم رأيهم » ولذا قال له على : « وما أنت ( لا أم لك ) والعدل ؟ ! » . ويقول عدى ابن حاتم رسول على إلى معاوية : « أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا ويحقن به الدماء ، ويؤمن به السبل ، ويصلح به ذات البين إن ابن عمك سيد المسلمين ، أفضلها سابقة ، وأحسنها في الإسلام أثرا ، وقد استجمع له الناس ، وقد أرشدهم الله عز وجل بالذى رأوا ؛ فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية ؛ لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل » . فلما انتهي ، قال معاوية : « كأنك جئت مهدداً ، لم تأت مصلحاً »

والحق أن الخطابة التي كان يقوم بها سفراء الزعيميين لم تكن لتدل إلا على أنهما يرغبان في أن يستحلها حقهما بالسيف ؛ أما السفارة فلكيلا يكون ثمت مدعاة للوم أحدهما إذا اضطر إلى امتشاق الحسام

وكان من أغراضها أيضاً نصح الصحب ، وإرشاد المقاتلين إلى ما يجب أن يفعلوه في الحرب كما يفعل القائد قبل الهجوم ، يوصي جنده ويمنحهم نصائحه : قال على يرشد مقاتلته : « معاشر المسلمين ، استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة ، وعضوا على النواجد فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، وأكملوا اللأمة ، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها ، والحظوا الخزر ، واطعنوا الشزر ونافحوا بالظبا ، وصلوا السيوف بالخطا ، واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله ... »

ومن أغراض الخطابة لذلك العهد الدفاع عن الرأى ، ومقارعة الحجة بالحجة ، وتفنيد براهين الخصم ، وأظهر مثال لذلك الخطب

التي قالها على والخوارج ؛ فهي خطب مليئة كلها بالحجج والبراهين من جانب الخوارج ومن جانب الامام

— o —

كانت أساليب الخطابة لذلك العهد رصينة في جملتها ، سهلة الألفاظ إلا في القليل ، لها مميزات الخطابة القوية ، تعتمد على الألفاظ الضخمة ، وعلى الجمل القصيرة يقل فيها السجع إلا إذا جاء عرضاً غير مقصود ، فالخطبة ترسل إرسالا ، لا تكلف فيه ولا تنميق ، ومع ذلك تكون قوية الأسر ، متينة السبك ، ولا غرو فقد كان القائلون مقاويل العرب وأبلغهم وكان المقام يتطلب لسانا بليغا يحرضهم ويدعوهم

ولقد كثر الاقتباس من القرآن ، وكان على وصحبه أكثر غراما بالاقتباس يدخلون الآية والآيات في معرض خطبهم

هناك ملاحظة تبدو في خطب على وتظهر ظهوراً واضحاً إذا أنت وازنت بين خطبه التي قالها في أول النزاع وآخره ؛ فانك تجد خطبه التي قالها بعد التحكيم ، والتي يستفز فيها القوم إلى حرب معاوية ، ضخمة في ألفاظها ، قوية في أسلوبها ، متينة فخمة ، أمتن وأقوي من تلك الخطب التي قالها في أول النزاع .. وكانت خطبه تشتد وتقوي ، كلما ضعف أمله في نصرة قومه ، وزاد تواكلهم وتخاذلهم ، وحسبك أن ترجع إلى خطبته التي قالها لرؤساء أنصاره .. ووجوههم بعد أن رجع من حرب الخوارج ؛ أو إلى خطبته بعد أن أغار النعمان بن بشير على عين التمر ، أو عندما أغار الضحاك بن قيس على الحيرة ، أو حينما أغار سفيان بن الغامدي على الأنبار ، واستمع إلي السيل المتدفق من فم على حين يقول : «... ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً ، وقلت لكم اغزوهم من قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتخاذلتم وتواكلتم ، وثقل عليكم قولى ، واتخذتموه وراءكم ظهريا ، حتى شنت عليكم الغارات ، وملكت عليكم الأوطان ؛ هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار ، وقتل حسان بن حسان البكرى ورجالاً منهم كثيراً ونساء ، وأزال خيلكم عن مسالحها ، والذي نفسي بيده ، لقد بلغني أن كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعثها ، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ، ثم انصرفوا وافرين ، ما نال رجلا منهم كلم ، ولا أريق لهم دم ، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندى فيه ملوما ، بل كان به عندى جديرا

يا عجباً كل العجب ! عجب يميت القلب ، ويشغل الفهم ، ويكثر الأحزان ، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم ، وفشلكم عن حقكم ، حتى أصبحتم غرضا ، ترمون ولا ترمون ، ويغار عليكم ولا تغيرون ، ويعصي الله عز وجل فيكم وترضون ، إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء ، قلتم هذا أوان قر وصر ، وإن قلت لكم : إغزوهم في الصيف ، قلتم : هذه حمارة القيظ ، أنظرنا ينصرم الحر عنا ؛ فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون ، فأنتم والله من السيف أفر ، يا أشباه الرجال ولا رجال ! ويا طغام الأحلام ! ! ويا عقول ربات الحجال ! لوددت أني لم أركم ، ولم أعرفكم ، معرفة والله جرت ندما ، وأعقبت سدما ! قاتلكم الله ، لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيظا ، وجرعتمونى نُغَصَ الهَمِّ أنفاسا ، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخزلان ....»

وتعليل هذه الظاهرة سهل يسير ، هو ذا التخاذل الذي بدا من القوم بعد التحكيم ، فلقد سئموا القتال وملوه ، وركنت نفوسهم إلى الهدوء والدعة ، واستسلموا إلى الراحة ، ووجدت الفرقة سبيلها إلى قلوبهم ، فكان الإمام في أشد الحاجة إلى ما يبعت الحياة فيهم ، ويعيد الحماسة اليهم ، فلا عزو ، كان يلجأ إلى الخطابة فيجعلها قوية الأسر ، مليئه بالألفاظ الضخمة التي تثير النفس ، وتبعث النخوة ، مفعمة بالتحذير والإنذار ، علها تحي الميت أو تبعث الروح في الجماد .

نستطيع أن نقول : إن الخطب في عهد على تؤرخ لنا الحالة السياسية ، وتسجل أهم ما كان في فترة خلافة على ، وفضلا عن ذلك نستطيع إذا أنت تتبعت الخطب ، أن تلمس الحوادث التي قيلت فيها لمسا ، وهى تكشف لك في صراحة نفسية الامام على ، وتبين الأدوار التي مرت فيها آماله : من النهوض والتفاؤل في أول الأمر ؛ إلى اليأس والقنوط في آخره ، كما أنها تكشف أيضا نفسية قومه ، وتضعها أمامك في صورة واضحة ، وإن المؤرخ ليجد في هذه الخطب معينا لا ينضب ، يساعده على فهم نفسيات المتقاتلين ليدرك النتائج التي وصلت اليها الحرب ، وكيف كانت طبيعية لا بد من حدوثها .

أحمد أحمد بديري

نفثات الأديب

للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

١٣٨ - صلاة ...

في ( معجم الأدباء ) : قال حسان بن علوان البيستي : كنت أنا وجماعة من بنى عمي في مسجد بَيسْت (١) ننتظر الصلاة فدخل أعرابي وتوجه إلى القبلة ، وكبر ثم قال : ( قل هو الله أحد ، قاعد على الرصد (٢) مثل الأسد ، لا يفوته أحد ، الله أكبر ! ) وركع وسجد ، ثم قام فقال مثل مقالته الأولى وسلم . فقلت : يا أخا العرب ! الذي قرأته ليس بقرآن ، وهذه صلاة لا يقبلها الله . فقال : حتى يكون سفلة (٣) مثلك ، أنى أتى إلى بيته وأقصده ، وأتضرع إليه ويردني خائباً ، ولا يقبل لى صلاة ! ( لا ) إن شاء الله ( لا ) إن شاء الله ، ثم قام وخرج

١٣٩ - مسيلمة وأشعب

قال الثعالبي : قد تظرف من قال في كذب مسيلمة وطمع أشعب :

وتقول لى قولاً أظنك صادقاً فأجي من طمع إليك. وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس قالوا : مسيلمة ، وهذا أشعب ! !

(١) بَيسْت : بالفتح ثم الضم ثم السكون بلدة من نواحى برقة وبها مولد حاتم الطائي ( ياقوت )

(٢) الرصد : الطريق ، موضع الرصد والجمع أرصاد . في ( المصباح ) : الرصدي نسبة إلى الرصد وهو الذي يقعد على الطريق ينتظر الناس ليأخذ شيئاً من أموالهم ظلماً وعدواناً

(٣) السفلة - بالكسر ثم السكون ، وبالفتح ثم الكسر وبالكسر ثم الكسر - نقيض العلية : أراذل الناس . قال الجوهري : ولا يقال رجل سفلة كما تقول العامة . وفى اللسان والتاج : سأل رجل الترمذى فقال له : قالت لى امرأتى : يا سفلة فقلت لها : إن كنت سفلة فأنت طالق . فقال له : ما صنعتك ؟ قال : سماك ( أعزك الله ) قال : سفلة والله . فظاهر هذه الحكاية أنه يجوز أن يقال للواحد سفلة . ( قلت ) : احتقار حرفة أو صنعة أمر منكر ، ولسنا اليوم في تفنيد المقالة الزائفة

١٤٠ - . انما هو بركة من السماء

في (تاريخ ابن عساكر) عن أنس قال : كان أبو طلحة يأكل البرد وهو صائم ، ويقول : ليس بطعام ولا شراب ، قيل له : أتأكل وأنت صائم ؟ !

فقال : إن ذا ليس بطعام ولا شراب ، وإنما هو بركة من السماء تطهر به بطوننا

١٤١ - رد الله عليك غربتك

... كان الصاحب بن عباد يقول : لم أسمع جواباً أظرف وأوقع وأبلغ من جواب عبادة فإنه قال لرجل : من أين أقبلت ؟

قال : من لعنة الله

فقال : رد الله عليك غربتك

١٤٢ - وعد الله ووعيده

عند أبي عمرو بن العلاء . .

في ( عيون الأخبار ) : اجتمع أبو عمرو بن العلاء وعمرو ابن عبيد فقال عمرو : إن الله وعد وعداً ، وأوعد إيعاداً ؛ وإنه منجز وعده ووعيده ، فقال أبو عمرو : أنت أعجم . لا أقول إنك أعجم اللسان ، ولكنك أعجم القلب . أما تعلم ، ويحك ! أن العرب تعد انجاز الوعد مكرمة ، وترك إيقاع الوعيد مكرمة ... ثم أنشده :

وإنى ـ وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدى

١٤٣ - عاد الدر الى وطنه

سئل بعض المغاربة عن السبب في رقة نظم ابن سهل فقال اجتمع فيه ذلان : ذل العشق ، وذل اليهودية .

ولما غرق قال فيه بعض الأكابر : عاد الدر إلى وطنه

١٤٤ - أدب الخواص

قال الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب الخواص :

كنت أحادث الوزير أبا الفضل جعفرا (١) وأجاريه شعر المتنبي

(١) المعروف بابن حنزابة (بكسر الحاء وسكون النون) ، قال ابن خلكان: كان أبو الفضل عالماً ، محباً للعلماء ، وكان يملى الحديث بمصر وهو وزير ، وقصده الأفاضل من البلدان النائية ، وبسببه رحل ( الدارقطني ) من العراق إلى الديار المصرية

فيظهر من تفصيله زيادة تنبه على ما في نفسه خوفاً أن يرى بصورة من ثناء الغضب الخاص عن قول الصدق في الحكم العام وذلك لأجل الهجاء الذي عرض له به (١)

١٤٥ - أطعموا آذاننا

كان مروان بن أبي حفصة إذا تغدى عند إسحق الموصلي يقول له : أطعموا آذاننا ، رحمكم الله !

١٤٦ - روائح الجنة في الشباب

في ( أغاني ) أبي الفرج : قال :

محمد بن هاشم الخزاعي : تذاكروا يوماً شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ إلى أن جرى ذكر أرجوزته التي سماها ( ذات الأمثال ) فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله :

يا للشباب المرح التصابي روائح الجنة في الشباب !

فقال الجاحظ للمنشد : رقف ، ثم قال : انظروا إلى قوله :

روائح الجنة في الشباب

فان له معنى كمعنى الطرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب ، وتعجز عن ترجمته الألسنة .

١٤٧ - ان العرب لا تستخذى

أحب الأصمعي أن يستثبت في كلمة ( استخذيت ) (٢) أهي مهموزة أم غير مهموزة قال : فقلت لأعرابي : أتقول : استخذأت أم استخذيت ؟ فقال : لا أقولها

قلت : ولم ؟

قال : لأن العرب لا تستخذى

(١) في قوله :

بها نبطى من اهل السواد يدرس أناجيل أهل الفلا

قال ابن خلكان : المراد بالنبطي أبو الفضل جعفر ، وهذا ما غض منه :

وما زالت الأشراف تهجى وتمدح

(٢) المبرد في ( كامله ) يقول : هذا غير مهموز واشتقاقه من قولهم أذن خذواء أي مسترخية . وابن قتيبة في ( أدب الكتاب ) عدها من التي تهمز ، والعوام تدع همزها و ( اللسان ) أوردها في خذأ وخذا وقال : استخذيت وقد يهمز ، واستخذيت وترك الهمزة لغة . . . والبطليوسي يقول في ( الانتخاب ) : « ترك الهمزة في هذه اللفظة أقيس من الهمز . وقد حكى أن من العرب من يترك الهمز فى كل ما يهمز إلا أن تكون الهمزة مبدأ بها » واستخذى : خضع

١٤٨ - أسهل الموت وأصعبه.

الصابي :

إذا لم يكن للمرء رد من الردى. فأسهله ما جاء والعيش أنكد
وأصعبه ما جاءه وهو رائع تطيف به اللذات والحظ مسعد

١٤٩ - فزع الاغنياء ، شهوة الفقراء

سئل ( سيافيدس (١) ) عن الموت فكتب : نوم لا انتباه معه ، راحة المرضى ، انفصال الاتصال ، نقص البنية ، رجوع إلى العنصر (٢) ، فزع الأغنياء ، شهوة الفقراء ، سفر النفس ، فقدان الوجدان (٣)

١٥٠ - الفراق

قيل لبعض الصوفية : لم تصفر الشمس عند الغروب ؟

قال : خوفاً من الفراق وبه ألم !

(١) قال أبو الفرج بن هندو : كان سيافيدس فيلسوفاً حرم على نفسه النطق حتى أن بعض الملوك عرضه على السيف لينطق فما زال على السكوت ثم إن الملك لما يئس من نطقه أمر بأن يكتب له مسائل ليوقع تحتها الجواب

(٢) العنصر : الأصل الذي تتألف منه الأجسام

(٣) الوجدان : الوجود

في أصول الأدب

للأستاذ احمد حسن الزيات

كتاب جديد فريد في نوعه . يشتمل على أبحاث تحليلية طريفة في الأدب العربي وتاريخه . منها تاريخ الأدب وحظ العرب منه . العوامل المؤثرة في الأدب . أثر الحضارة العربية في العلم والعالم . تاريخ حياة ألف ليلة وليلة وهو أوفى بحث كتب في هذا الموضوع إلى اليوم . ثم قواعد تفصيلية للرواية التمثيلية الخ الخ ...

يطلب من ادارة مجلة الرسالة وثمنه ٢٣ قرشاً

هكذا قال زرادشت

للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه
ترجمة الأستاذ فليكس فارس

وكنت نائماً فإذا نعجة تتقدم فتقضم اللباب المعقود إكليلا على رأسي ، فكانت تعمل أنيابها فيه وتقول : لم يعد زارا من العلماء وذهبت بعد ذلك مندرية متفاخرة . ذلك ما أخبرنيه أحد الأولاد

أحب أن أستلقي على الأرض حيث يلعب الأطفال تحت الجدار المتهدم وقد ثبت في شقوقه الموسج والشقائق الحمراء فانني لم أزل عالماً في عيون الصغار وفي عيون الموسج والشقائق. الحمراء . لأنها ظاهرة حتى في أذيتها

أنا لم أعد عالماً في نظر النعاج . تبارك حظى فهذا ما قضى به على . والحقيقة هى أنتي هجرت مسكن العلماء فخرجت منه جاذبا بابه بعنف ورائي .

لقد جلست روحي الجائعة طويلا إلى الجوان ، وما أنا كالعلماء متطبع على المعرفة كمن اتخذ كسر القشور مهنة له ، فانا عاشق الحرية والسير في الهواء الطلق على الارض الباردة كما أفضل ان أتوسد جلود الثيران على افتراش امجاد العلماء وألقابهم .

إن بي من الحماس ومن لهب الفكر ما يقطع على أنفاسي فلا يسعني الا الاندفاع الى رحب الفضاء هاربا من الغرف المكسوة بالغبار .

ولكم هؤلاء العلماء يتفيأون الظلال فلا يقتحمون السير على المسالك التي تلهبها حرارة الشمس ، بل يكتفون بالاستكشاف كالمتفرجين يفتحون أشداقهم وينظرون إلى المارة في الشارع . هكذا يفتح العلماء أشداقهم وينتظرون اتقاد شرارة الفكر في أدمغة المفكرين . وإذا ما لمستهم بيدك تطاير الغبار ما حولهم كأنهم أكياس من الحنطة ، ولكن أحداً لا يظن أن هذا الغبار المتطاير منهم هو دقيق السنابل الصفراء التي ينشح بها الصيف في زهوه .

إذا ما تظاهر العلماء بالحكمة ، فإن حقائقهم وأحكامهم تهزني برعشة البرداء إذ تنتشر منها روائح المستنقعات ، ولكم أسمعتنى حكمتهم نقيق الضفادع

إن لهؤلاء العلماء مهارتهم ولأناملهم لباقتها ، فليس من نسبة بين صراحتي وتعقيدهم ، فأناملهم لاتنى تغزل وتجيك ناسجة للعقل ما يستره .. فهم كالساعات إذا ما أحكم ربط رقاصها دلت بضبط على سير الزمان وأسمعتك طقطقة خافتة. إنهم يعملون كحجر الرحى فيطحنون كل ما تلقى إليهم من حبوب ، وكل منهم يراقب حركة أنامل الآخرين ، وجميعهم يتلهون بالنكايات ويترصدون مز يتعارج بعلومه ، فهم أشبه بالمناكب في تلصصهم . ولكم رأيتهم يستقطرون سمومهم بكل حذر ساترين أيديهم بقفازات من زجاج ولهم مهارة خاصة بلعب النرد المزور ، ولكم انحنوا فوقه والعرق يتصبب من وجوههم

لا صلة بيني وبين هؤلاء الناس فان فضائلهم تبعد عن فضائلى بأكثر مما تبعد عنها أكاذيبهم ونردهم المزور

وما وجدت مرة بينهم إلا وكنت فوقهم ، ولذلك أبغضنى هؤلاء العلماء . لأنهم لا يطيقون أن يسمعوا بمرور أي كان فوق. رؤوسهم، ولذلك وضموا الأخشاب فوق رؤوسهم وأهالوا فوقها التراب والأقذار ليخنقوا وقع أقدامي ، ولم يزل حتي اليوم أكثرهم علماً أقلهم إدراكا لأقوالى.

لقد نصبوا بيني وبينهم حائلا كل ما في الإنسان من ضعف. وضلال ، وهم يدعون هذا الحصن لمسكنهم السقف المستعار .

ولكنني بالرغم من كل هذا لا ازال امشى فوق رؤوسهم وأنا انشر أفكارى . ولو أنني مشيت على عيوبي فلن أزال ماشيا فوق جباههم ، ذلك لأنه لا مساواة بين البشر ، وهذا ما يهتف به العدل ، فما أريده أنا لا حق لهم بأن يتناولوه بارادتهم .

هكذا تكلم زارا ...

أطلب مؤلفات
الأستاذ النشاشيبي

وكتابه
الإسلام الصحيح

من: مكتبة المركز، بشارع الفلكي (باب اللوق)
ومن المكتبات العربية المشهورة

رسالة الشعر

دمشق

للدكتور عبد الوهاب عزام

يا أخى صاحب الرسالة: هذه أبيات نظمتها في إحدى زياراتى لدمشق العظيمة وطويتها.
ثم رأيت أن موضوعها يشفع لما فيها من قصور فأرسلتها إليك لترى رأيك في طيها أو نشرها

هذى دمشق فحل القلب يمتار طالت على القلب أشواق وأسفار
كم ما طلتك بها الأيام أمنية لها على الدهر إعلان وإسرار
حط الرحال فهذا جهرة بردى وذى دمشق هناك الأهل والدار
لا تعجلني فالأيام مسعدة لا تخدعنى فصرف الدهر غدار
دعنى أؤلف آمالا مشتتة وأسمع القلب . ملء القلب أسرار
دعنى أزود قلبي ملء منيته ففي فؤادي أسفار وأخطار
وردت جلق ملتاعاً ومغتبطاً تطفى بنفسي آمال وأفكار
دمشق مجتمع الأعصار قد زخرت فيها كما اندفقت في البحر أنهار
خطت أمامي سراعا فوق رقعتها من الوقائع أسفار فأسطار
فكل رجل على التاريخ سائرة وكل طرف إلى التاريخ نظار
وللأذان دوى فوق أربعها وللأذان يبطن الأرض إسرار
يذيع قبر بلال(١) في مآذنها صوتاً له من وراء الغيب تسيار
كالتبع شق الصفا والترب فازدهرت منه الخمائل ، وهو الدهر ثرار

***

ذهبت للمسجد المعمور(٢) أسأله وقد تدل على الأعيان آثار
رأيت فيه خلال القوم مائلة والبناء من البانين أقدار
علوت في قمة التاريخ مأذنة(٣) لها من الحق والتاريخ أحجار
تطوف حولي خطوب الدهر في صخب وترحم الدين دولات وأقطار
أرى الوليد على ملك لسطوته ذل الزمان ، وفيه المجد خطار
دانت لهيبته الأهوال واجتمعت في همة العرب أقطار وأعصار
كأن ما بين سيحون وقرطبة على الخريطة أفنار وأشبار

***

أحيت دمشق رميم الشعر في خجلدى لا غرو قد تبعث الأشعار أشعار
وقفت فيها أسيم الطرف في فتن من الجمال لديها الطرف يحتار
إما أرى المجد قد أضفى أشعته وأشرقت فيه دولات وأمصار
كلا فؤادى وطرفي فوق بهجتها بين الحضيض وبين السفح طيار
تندى القلوب وتجوى من نضارتها ورب أخضر منه تقدح النار
واها لقلبي إن يد الجمال له سطراً تبدت من الآلام أسفار
خاض المطامع ، طماح المنى عرم علي الشدائد والسراء ثوار .
وقاسيون على الجنات مطلع بين الرياض وبين الشهب نظار
عارى المناكب بالشجزاء متزر ثبت الجنان على الأحداث ، جبار
نرى اللوح منه هامة عطلا لكنه ذنب الطاووس جرار
والصالحية حيا الله ساكنها وحى في سعدها دار وديار
شجا فؤادى دروس في تدارسها والدهر بالناس دولات وأدوار
يادار هذا زمان السعد فابتسمى لا فاتك السعد بعد اليوم يادار :

***

وقفت بالغوطة الخضراء أنشدها قلباً أضلته أفياء وأشجار
هنا كما انطلق العصفور من قفص دعته في الروض أطيار وأزهار
قالت: رأيت دمشقاً في مفاتنها فكيف ينجو فؤاد فيك شمار؟
فسل دمشق هناك الروض مزدهر والجو مبتسم والحسن سحار
قالت دمشق : وما عندى به خبر سائل بدمر لا يخدعك إنكار .
يادمر الخير قلبي فيك مرتهن لا تجحديه فما يجديك إضرار ؟
ردى فؤادى ففي دهرى له عدة وفي فؤادي لأرض العرب أوطار
فقد وردتك يوماً في حمى نفر من الفطاريف فيهم يأمن الجار
كأنما كل حر في عزيمته نجم يضيء علي الأهوال سيار
وكان مجلسنا أيكاً على بردى تردد الحسن فيه فهو محتار
تزجى الأحاديث من شكوى ومن ألم ومن أمان ذوت فيهن أعمار
نبنى على أسس التاريخ آتينا والمعالي من التاريخ أسوار
وننشد المجد تدعوه عزائمنا والمجد مصغ إذا ناداه أحرار
أبصرت في الظلمات الشمس طالعة لما تراءى لنجم الصبح إسفار

(١) بلال بن رباح مؤذن رسول الله . وقبره في دمشق (۲) مسجد جامع بني أمية بدمشق (۳) مأذنة الجامع الأموى صمدت فيها مع بعض الأصحاب

بين الجد والمجود

فجيعة في ساعة

وساعة كالسوار حول يدى ضاعت فأوهي ضياعها جلدى
مازال يطوى الزمان عقربها حتى طواها الزمان للأبد
ضيعها نجلى الصغير وكم حملني من خسارة ولدى
قالوا : فداء له فقلت لهم : كلاهما فلذتان من كبدى
قالوا : التمس غيرها . فقلت لهم : وهل معى ما يقيم لى أودى ؟
من مسعدي إن أكن على سفر ؟ ومن يفي لي بالوعد إِنْ أَعدِ ؟
التبست أَيَّامِي عَلَى فَلَا أفرق ما بين السبت والأحد
واختل وقتي فإن وعدتك أن أزورك اليوم جئت بعد غدٍ
كم رمت عد الساعات مهتدياً بالشمس لكن غلطت في العدد
روضت نفسي على السؤال وما حملت ذل السؤال من أَحَدٍ
جمل الفتي بالزمان أهون من سؤالِ غَيْرِ المهيمن الصمد.
أمست يدي بعدها معطلة منظرها في العيون كالرمد.
كم ألهت عيني بِحُسْنِ طَلْعَتها ؟ ومَنْ لأذنى بصوتها الفرد ؟
كم آنست وحشتى بدقتها فالآن أصبحت شبه منفرد.
لا غَرْ وَ إِنْ أَقْضِ حَقَّ عِشْرَتِها عِشْرَتها لي طويلة الأمد
قد لازمت معصمي سنين إلى أن أصبحت قطعة من الجسد
ناطقة بالصواب أن سُئِلَتْ إِنْ قُلْتَ كَمْ لَمْ تَنْقُصُ وَلَمَ تَزِدِ
على الصراط السوي سائرة إن حادت الشمس عنه لم تحد
أرنو إليها إذا مشيت وإِنْ جَلَسْتُ في مجلس كَشَفْتُ يدى
ألم تُشاهد ذا نعمة حَدَثَتْ إِذا مَشَى في ثيابِهِ الْجُدُدِ ؟
صبرت صبر الكرام آمل أن تعود لي ثانياً فَلَمْ تَعدِ
فلذتُ بالأولياء عل لهم سرا و إن كنت غير معتقد
من لي بالعرافين أسألهم عنها وبالنفاثات في العقد
أسألت الأصدقاء عنها على ثقتي بهم فلم أجد
شتان بينى وبين لاقطها بات قريراً وبت في كمد
ليت الذي طوقت بها يده في جيدِهِ حَبْلٌ شُدَّ مِنْ مَسَدَ

محمود غنيم

مختارات من أدب الرافعي

باي يا بابا !

في سنة ١٩٠٤ تزوج المرحوم مصطفى صادق الرافعي ، وفى سنة ١٩٠٥ ولدت له ( وهيبة ) ، فلما صارت بنت سنتين جلس إليها يوماً يناغيها ويداعبها ، وحب الرافعي لأولاده شيء أكثر من محبة الآباء ، فمال عليها يقبلها، فآلمها ، فقالت له الطفلة ، وقال لها ، فكانت هذه القصة في هذه القصيدة »

محمد سعيد العريان

طفلتي في العمر مرت من سنيها اثنتين
ليستا فيما غَدَتْ تمقلُ إلا ضحكتين
جئتها يوماً فألقيت عليها قبلتين
وأمالت عنقاً آلمته من غَمزتين
فمضت غضبى وقالت : « باي يا بابا باي يا بابا»

***

إعتاباً يا ابنتي أم ذاك من غيظ الحبيبه ؟
بدأت دنياك منذ اليوم والدنيا عجيبه .. !
وغريب منك أن تدرى معانيها الغريبه ...
نجمة أبعد ما تلقى إذا لاحت قريبه
مثلها حبك للبا با و معنى « باي يا بابا» (١)

***

نعمة كالبلبل انتم لى على الورد فغنى
أتمنى أن تعيدى مثلها إذ أتمنى
قد غدا يذهب في الدنيا المنا لفظك عنا
وأرى الشعر فنوناً صرت لى منهن فنا
حكمة ما يمثلها الحكم عندى « بای یا بابا »

***

لو أتتنى كل بشرى ملء أنحاء البلاد
أو أتاني السعد يوماً هاتفاً باسمي يُنادى
أو سعى بالمدح والتهنئة لى كل العباد
أو شدا في كل أرض بقريضي كل شاد
لم يكن أحلى بسمعي كل ذا من «باي يا بابا»

مصطفى صادق الرافعي

سنة ١٩٠٧

القصص

رسم توضيحي يصور رجلاً وامرأة وطفلاً يجلسون معاً.

قصة الحب والحياة

جرازييلا

***

على أنات الرباب في ضوء القمر ! !

***

شغف « لامرتين » بالطبيعة منذ صباه وغذى شعوره وإحساسه برقة الحب والغرام ، وعناصر الحسن والجمال ... فجاءت كتاباته صورة حية للمثل الأعلى الذي ينشده أصحاب التأمل وأبناء الخيال

ثم أحب التجول والاغتراب ليتغلغل في صدر الطبيعة وليجنى في حناياها تلك الزهرة القدسية الخالية التي تملأ القلب عبيراً ، والنفس نشوة وكمالاً ... فارتحل إلى إيطاليا بلاد الشمس المشرقة والماء المترقرق ، والذكريات الزاخرة بالحياة والحرارة

وجاب أنحاءها فتعرف إلى آثار التاريخ الروماني القديم الذي لم يمح الدهر سطراً واحداً من ذكرياته

وفى « روما » المدينة الخالدة استطاع الشاعر أن يدرس عصر النهضة درساً وافياً دقيقاً فكان يذهب في الصباح الى نهر « التيبر » المنساب فوق رفات الزهور والأجيال ، فيجلس على ضفافه ويتطلع من ثنايا مائه إلى آماله وأمانيه التي يخبئها المستقبل . وعند ما يخيم الظلام يعود إلى مخدعه فينام راضياً مطمئناً

وهنا تشوق لامرتين إلى سماء « نابولى » الزرقاء ليشاهد فيها قبر « فرجيل» الذي كان يجد لذة في ترديد أشعاره فذهب إليها . وفي هذه الأثناء التقى الشاعر بأحد أصدقائه القدماء فعاش معه عيشة ألفة ودعة.

نابولي عند الايطاليين جنة سحرية فاتنة سكنتها أرواح الشعراء والأنبياء ... هي غابة ابتدعتها عبقرية الله لتبقى مكمنا للفن والفكر والموسيقى ، ومأوى لكل من يريد أن يرسم أفكاره التواقة إلى المثل الأعلى ، وأحلامه الشاردة وراء أشباح الموت والحياة ! !

تأثر « لامرتين » لهذه المناظر وشعر بجاذب عاطفي فلهب

كان لامرتين فى الثامنة عشرة من عمره عند مالمسه الحب بأنامله الناعمة ، وطاف به الشعر في آفاق الوحى والالهام . وكانت « جرازييلا » الفتاة الأولى التي أسمعته نغمات الغرام ، وأسكرت روحه بتلك الخمرة العلوية التي تسكبها الآلهة في ارواح الشعراء والمفكرين

فجرازييلا هي التي غرست في فؤاد «لامرتين» زهرة الشوق والحنين . وهي التي جعلته ينطق بأرق ما في الحياة من صبابة وتذكار ، وألم ودموع ! !

لقد أحب دانتي بياتريس فكتب عنها الصحائف والأوراق وعشق جميل بثينة فصعد لأجلها التأوهات والزفرات ... ولكن لامرتين في حبه لجرازييلا أرانا شيئاً خفياً لم تقع على مثله العيون

فالذي يقرأ ما كتبه لامرتين عن جرازييلا يعانق تمثال الحب ويتفهم معانى الحياة ... لأن هناك أقوالاً إذا لم تبلل العيون بالدموع فهي تفهم النفوس بغائم الحزن والكآبة ، ومرارة الشوق والتذكار

إن لامرتين عرف أن يسمع تلك الفتاة الساذجة البريئة تغاريد الحياة المعنوية وحفيف أجنحة الهوى ... وأن يجعلها ترى من وراء ضباب أحلامها شجرة الحب المتعالية في الفضاء ، ونهر الغرام الجاري بين الأرض والسماء

والذي يصغى إلى غمغمة تلك التعابير الشعرية الحنونة التي سالت على براعة لامرتين ، ترفعه العاطفة إلى جنة سحرية فيرى مواكب الأرواح هائمة في رحاب النعيم ، وغواني الشعر راقصة

مدفعه إلى تفهم أسرارها . فان مشاهد الصيادين يتفيأون في ظلال مراكبهم الصغيرة .... والعاشقين يتشاكون الهوى تحت ألوية الدجى . . . والشمس المودعة تلقى نظرتها الحزينة على قمم الجبال . إن جميع هذه المناظر كانت تحرك إحساسه فينظمه شعراً لطيفاً عذباً كما تنظم القيثارة أنغامها وتنهداتها ! !

وبعد أن مرت بالصديقين أيام قليلة أحب لامرتين تلك الحياة الشعرية التي يحياها الصيادون في مراكبهم تحت السماء الصافية ، وفوق متون الأمواج ، فتمنى كثيراً لو أتيح له أن يحيا تلك الحياة .

وشاءت الأقدار أن تحقق أمنية الشاعر ، وأن يلتقى بفتاة طاهرة تلمع في صدرها محاسن الحب والعاطفة ، فقاده حسن الطالع إلى التعرف بصياد شيخ في السبعين من عمره كان ينتصب دائماً قرب زورقه انتصاب الطيف بين الموت والحياة ! !

هنا اكتمل الحلم وتحقق الأمل ....

كان ذلك فى ليلة من ليالي الصيف القمراء ... بدأ البحر فيها صافياً كمرآة العذراء في ساعة عرسها ... أما السماء فقد تكللت بتاج من الأنوار لتضيء العيون وتهدى القلوب . . وفى وسط هذه التأثرات مرت بالشاعر العبقري أحلام موردة تركت في نفسه أثراً لا يمحوه الدهر .

ثم تلت هذه الليلة ليال جميلة في زورق ذلك الصياد الشيخ !!

***

مات الصيف فأسرعت ربة الحقل بالرحيل لتستريح في وادى الذكرى . ثم جاء الخريف الحزين فتناثرت أوراق الأشجار واعتصب جبين الأفق بقيمة من تلك الفيوم السوداء المنذرة بخمود حمزة الأفراح ... وفى ليلة باردة اتفق الصديقان مع الصياد على سياحة في عرض البحر فركب الثلاثة الزورق وساروا يداعبون الأمواج بمجاذيفهم الخشبية كأنهم في حلم من الأحلام المزهرهة . ولم تكد تمضى على ذلك ساعة حتى ثارت الأمواج منبئة بالكارثة الرهيبة . ثم أطفأت النجوم مصابيحها فاشتد حلك الظلام اشتداداً مخيفاً هو المصيبة العظمي . إلا أن الشيخ المسكين لم يستسلم إلى المهلكة فصاح بهم أن يغالبوا المنية حتى تلوى من أمامهم خاسرة مضعضعة .

وظلوا عالقين بين أشداق الموت ساعتين كاملتين حتى قذفتهم الأمواج الصاخبة إلى جزيرة تدعى « إبسكيا » كان بيت الصياد مبنياً فيها ... وفي ذلك البيت الحقير كان يعيش الشيخ مع زوجه العجوز وحفيدته الحسناء غرازيلاً

لم تكن «غرازيلاً » كسائر الفتيات . ولم تصنع مثلهن من طين وماء ... لأن الله حباها بجمال رائع فتان ... فعيناها سرقتا سوادهما من ظلام الليل، وجيدها التالغ استعاد سحره من عرف الزهور البيضاء ، أما قوامها الخلاب فقد سكبته الطبيعة من ضياء الفجر لتبهر به عقل كل من يراها. ويتأمل في معانى حسنها وجمالها

***

نشأت بين الصديقين والعائلة القروية ألفة لم تلبث أن تحولت إلى محبة سماوية ، فأصبح الفريقان لا يحتملان ألم الفراق . وقد كونت هذا التقارب عاطفة غريبة بين الفتاة والشاعر ، فانها أحبته عند ما ألقت عليه أول نظرة . وبعد أن درس «لا مرتين» أخلاق العائلة وتبين مشاربها وأفكارها شعر بجاذب روحي مجهول يجنب إليه كل فرد من أفرادها .

وأحب أن يقرأ لهم في إحدى الليالى رواية «بول وفرجيني» ففعل . وفيما هو يقص عليهم تلك الفاجعة المؤلمة التي صورها كاتب فرنسا الكبير ( برناردين دي سان بيير » أحس بدمعة حرى تتسائل على يده ، فنظر فاذا غرازيلا تبكي جائية عند قدميه ، وإذا الشيخ وزوجه مطرقان كأن داهية دهماء حلت في تلك الساعة !

فكانت هذه الكتابة دليلا على رقة عواطفهم...

***

في إحدى الليالي تسلم رفيق الشاعر كتاباً من أمه تسأله أن يأتى إلى فرنسا لحضور زفاف شقيقته فرافقه لامراتين إلى نابولى ، ثم ودعه وعاد إلى الفندق ليصرف فيه ليلته . غير أن لا مرتين لم يكن يحس بالرابطة التي توثقه بسديقه إلا بعد أن فارقه . وعند ما أقبل الصباح كان يقاسي آلام الشوق على سريره

وعلمت « غرازيلا » بمرض لا مرتين فأسرعت إلى «نابولى» مع أخيها الصغير . ولم تكد تدخل عليه وتشاهد نحوله واصفراره حتى تفجرت بالدموع وجداً ولوعة, وبعد أن جلست قرب

۹۰۸

فراشه نزعت من جيدها أيقونة مقدسة وعلقتها فوق رأسه لتقيه من الموت . ثم خرجت متأثرة باكية تضرع إلى الله ألا يفجعها فيه ! !

مضى على هذا الحادث أسبوع كامل شفى في أثنائه لا مرتين من آلامه فعاد إلى منزل الشيخ . ولم يكد يطأ عتبة ذلك المنزل حتى أقبل عليه أصحابه يعربون له عن تعلقهم ومحبتهم وإعزازهم . وكان في زيارتهم فتى في العشرين من عمره مشوه البنية ، لكنه طيب الأخلاق شأن أمثاله القرويين الذين لم تفسد المدنية عواطفهم ... وسأل الشاعر عن أمره فقيل له إنه ابن خال لغرازيلا ، وإنه سوف يكون زوجها عند ما تسمح الظروف . هنا شعر بمرارة خرساء تمزق فؤاده !

مابت الشمس نحو المغيب تاركة قبلة حرى على وهاد تلك الجزيرة الهادئة ، وبمغيبها غمرت روح الشاعر سكينة عميقة ممزوجة بالأسى الساحق ... وما أن صمم على ترك هذه الأسرة لتنعم بأحلامها وتأملاتها حتى وقفت غبازيلا والعجوز في سبيله قائلتين . إنهما لا تسمحان له بمغادرة المنزل ما دامت العائلة تعتبره فرداً منها . وظلتا بتوسلان إليه حتى رضى أخيراً .

وتسلل الحزن إلى روح الشاعر. فأوى إلى حجرته ليذرف فيها دموعه . وكان عند ما تهدأ ثورة عاطفته يلجأ إلى مذكراته فيبتها حنينه وشكواه ! !

***

مرت على هذه الحادثة ثلاثة أشهر فعاد إلى الشاعر انبساطه الماضى لأنه استعاض عن صديقه المخلص بغرازيلا الحبيبة التي كان يقضى معها أيامه ولياليه على شواطيء تلك الجزيرة الشعرية الباجرة . وهنا شاءت الحياة أن تضرم لوعة الشاعر ... ففى ذات ليلة عاد إلى المنزل فلحظ انقباضاً مرتسما على وجهي العجوزين أما غرازيلا فكانت عيناها مملوءتين بالدموع .

تساءل الشاعر عن سبب انقباضهم وحيرتهم فقال الصياد : إن خال غرازيلا جاء طالباً يدها إلى ابنه ، ولما كان في هذا العقد سعادة للفتاة فقد أجابه الشيخ بالارتياح ، أما غرازيلا فلم تنطق بغير دموعها السحاحة .

عند ذاك أحس لامبرتين بتعلقه بغرازيلا ، فأهمه كثيراً

أن تخرج من ذلك المنزل ، وأن لا يراها فيما بعد صادحة بين جنباته وزواياه ، ثم دخل مخدعه يائساً وانطرح كالمحموم لشدة تأثره . . . وعبئاً حاول الرقاد .

وكانت تلك الليلة باردة جداً ، والبرق شديد اللمعان في الفضاء ، والريح تئن كشكلى ترثي وحيدها ، والسيول تتساقط بروعة فتلقى الرعب في القلوب .. وكان باب الحجرة يضطرب كلما هبت العاصفة . وقد خيل إلى الشاعر أنه يسمع أنينا جارحاً ؛ وأن فما يردد اسمه بلوعة وأسى !

وكما تبرز الدمعة من العين الباكية ثم تتلألأ على الوجه ، برز الفجر من أحشاء تلك الليلة المخيفة ، فأنار سفوح الجزيرة وأغوارها بضوئه الضعيف . في تلك الساعة استيقظ لا مرتين من رقاده . ولم يكد يسمع صراخ العجوزين والأخوين الصغيرين حتى سمر في مكانه . . . ذلك لأن غرازيلا فرت إلى مكان مجهول . وهاج الحزن في صدر الشيخ جميع آلامه فدنى من لا مرتين وبيده ورقة مبللة كانت ملقاة على فراش غرازيلا ورجا إلى الشاعر أن يقرأها له فاذا هي تحتوى على هذه الكلمات المتقطعة :

«لقد احتملت كثيراً حتى أصبحت لا أقوى على الاحتمال أقبلكم قبلة الوداع . . . سامحوني ... أفضل أن أكون راهبة متجردة من أحلامها وأمانيها على أن أعيش عيشة الذل مع الرجل الذي لم تهبنى السماء إياه ... ردوا الخاتم إلى ابن خالي ... سأصلي لألفونس ولأخوى الحبيبين ... »

ولم يصل لا مرتين إلى النهاية حتى ارتعشت يده فهوت الورقة إلى الأرض . وعند ما أتحنى ليلتقطها رأى عند عتبة الباب زهرة حمراء كانت تحملها غرازيلا دائماً ، ووجد بجانبها تلك الأيقونة التي تركتها فوق رأسه يوم كان مريضاً . هنا علم أن الصوت الذى كان يناجيه في عتمة الليل هو صوت غراز يلا ... فمضى شاكياً !

***

قضى الأمر وفرت غراز يلا لتدخل إلى الدير ، ولكن فرارها راش سهماً ماضياً في قلب لا مرتين . فخرج منتحباً بين الأودية والوهاد .

وعند ما مالت الشمس نحو المغيب اهتدى إليها في أحد الأكواخ . وما أن رآها حتى جثا بجانيها ووضع يديها بين يديه

ثم أدناهما من فمه ليدفئهما بحرارة أنفاسه . وبصوت متقطع خاطبها قائلا : لماذا اختبأت هنا ؟

فاعترفت غرازيلا له أنهم أرادوا أن يجمعوها بنير الرجل الذي اختارته روحها .. ثم قالت إنها لم تهب قلبها لغيره في العالم

وأحنى لامرتين رأسه ليشكوا لها ما يكابده من يأس وحرقة فقاطعته قائلة :

« لقد صرفت ليلة أمس باكية عند باب مخدعك . وعند ما خرجت قلت في نفسي إلى لن أراك أبداً لأنى سأسير راهبة تنقطع إلى عبادة الله على ضوء الشموع ، وفي ظلال انفرادها الطويل الملول .. ولكني قرعت باب الدير فوجدته موصداً وهكذا رجعت إلى هذا المأوى لأقضى فيه ليلتي . ثم أشعلت المصباح أمام صورة العذراء وخاطبتها قائلة : أيتها القديسة إنى أهب حياتى بما فيها من صبوة وإغراء لخالقي .. وإذا جاء غداً ذلك الحبيب فقولي له إنى أحببته بكل ميولى وعواطفى ، وإلى هجرت العالم لأجله .. قولى له إنى ضحيت بأعز شيء لدى، ها هو ذا شعرى الذي كان يحبه فإني أقصه . خذيه أيتها العذراء وأبقيه معك ليظل آمناً بين يديك .

وهنا نزعت منديلها من رأسها فبدت كغصن عري من أوراقه ! !

اختبأ الليل بين خرائب الأبدية ثم بزغ الفجر معلناً قدوم الشمس ، فقدم الصياد مع عائلته ليتفقدوا غرازيلا . وعند ما شاهدوا تلك الكآبة التي ارتسمت على محياها الناضر ركعوا قربها متألمين . ونار الحزن تأكل أفئدتهم .

***

عاد الجميع صامتين الى الجزيرة . وبعد أن صعدوا صلواتهم لتختمر في الفضاء الوسيع ارتموا على مضاجعهم تخفرهم هيئة الأسى ، وتظللهم أجنحة اليأس والانفعال

وسارت الأيام في طريقها ... ففي ذات ليلة من ليالي الربيع الجميلة كان الشاعر نائماً في حجرته فسمع قرعاً قوياً على الباب ففتحه فاذا صديقه القديم يدخل عليه قائلاً :

« أتيت لأسطحبك حالاً الى فرنسا لأن والدتك تريد أن تراك قبل موتها . فاذا لم تذهب تركت في قلبها غصة أليمة ترافقها الى الأبدية »

أثرت هذه الكلمات في قلب « لا مرتين » . فعاوده دفعة واحدة تذكار الماضي الذي قضاه في حضن أمه . ولما لم يحتمل جسده المكدود قوة الصدمة وقع مغمى عليه . وعند ما ثاب اليه روعه وعد صديقه بالرحيل

ثم دخل حجرته ورتب ثيابه ، وبعد أن أخذ ورقة وأفرغ عليها جميع ما تضمره روحه العظيمة، أقسم لغرازيلا أنه سيعود اليها عند ما تبرأ والدته العزيزة من مرضها . وأراد أن يودع غرازيالا قبل رحيله فمنعه صديقه . غير أن الفتاة استيقظت حينذاك فهبت مذعورة . وعندما علمت حقيقة الأمر وقعت فاقدة الرشد

تسرب داء الغرام إلى قلب « غرازيالا » فاصفرت زهرة حياتها اصفرار الوردة عندما يمسها الخريف بيده القاسية . أما لا مرتين فكان يهتف باسمها في الحلم واليقظة !

ولم تشأ غرازيالا أن تفارق الحياة دون أن تبثه أسرار فؤادها ولاهج غرامها فأرسلت إليه هذه الرسالة :

حبيبي ألفونس

يقول لى الطبيب إنى سأترك الحياة بعد حين ، فلذلك أريد أن أودعك الوداع الأخير ! آه يا ألفونس ، حبذا لو كنت قريبا منى الآن ، إذا لبقيت حية .. ولكن هي إرادة الله أيها الحبيب

إن جسدى سيضمه التراب ويبلى سريعا أما روحي فستظل مرفرفة فوق رأسك إلى الأبد . إنى أترك لك — كتذكار — لما بيننا من عهود- شعري الذي كنت تحبه وتداعبه بأناملك الجميلة فاحفظه لأن رؤيته تعيد إليك ذكرى تلك الليالي التي صرفناها معاً في هذه الجزيرة الحبيبة التي تحن مثلى إليك

( غرازيالاً )

***

منذ ذلك اليوم انطبعت على محيا « لامرتين » كآبة خرساء وقطنت عينيه اللطيفتين أشباح اليأس والحنين . وكان كلما شاهد جنازة فتاة يخونه الصبر والتجلد فيرتمي على الأرض باكياً منتحباً ! أما روحه فقد اتشحت بوشاح الحزن والكآبة حتى تفصدت بهذه القصة الرائعة المؤثرة التي فتحت لمؤلفها الشاعر العبقري مخالق الخلود .

( البرازيل )

لوسف البعيني

البريد الأدبي

الشيخ منصور المنوفي لم يكن شيخاً للأزهر

ذكرت في العدد (۲۰۹) من مجلة الرسالة الغراء ارتيابي فيما نقله الأستاذ محمد عبد الله عنان عن رحلة الشيخ عبد الغني النابلسي من أن الشيخ منصوراً المنوفي الضرير كان شيخاً للجامع الأزهر وقت قدومه في رحلته إلى مصر ، وبنيت هذه الارتياب على أمرين : أولهما اضطراب ما ذكره الشيخ عبد الغني النابلسي في ذلك ، وثانيهما مخالفته لما جاء في الكتب التي عنيت بذكر شيوخ الأزهر وترتيب ولايتهم له ، من تاريخ الجبرتي والخطط التوفيقية وكنز الجوهر في تاريخ الأزهر ، وقد خرجت من ذلك بترجيح هذه المصادر على هذا المصدر المضطرب .

ولكن هذا الترجيح الذي ذهبت إليه وهو المتعين عندى في هذه المسألة لم يرض به الأستاذ محمد عبد الله عنان لوجهين : أولهما أن القول بأن الشيخ منصوراً المنوفى كان شيخاً للأزهر في ذلك الوقت قول معاصر وشاهد عيان عرف الشيخ وحادثه بنفسه ، ولا يصح أن يسبغ عليه هذه الصفة عفواً ، وثانيهما أن الشيخ النابلسي يقدم إلينا بياناً صحيحاً عن أكابر الحكام والمشايخ في مصر وقت مقدمه ، ومن الصعب أن نعتقد أنه يخطيء في تعرف شيخ الأزهر ، وهو من الشخصيات البارزة التي يهمه أن يتصل بها ، وقد رأى فى التوفيق بين هذا المصدر وتلك المصادر السابقة أنه من الممكن أن الشيخ المنوفى لم يمكث في ذلك سوى أشهر أو أسابيع قليلة ، وأن يكون هذا هو السبب في إغفال تلك المصادر له فى ثبت مشايخ الأزهر .

ولا شك أن من يرجع إلى ما نقلته في ذلك من رحلة الشيخ النابلسي يرى أنه ذكر أنه قابل في صباح يوم الأحد ٢٨ من شهر ربيع الثاني الشيخ منصوراً المنوفى شيخ الجامع الأزهر ، ثم ذكر أنه قابل في اليوم الثاني ( يوم الاثنين ٢٩ من شهر ربيع

الثاني ) الشيخ احمد المرحوى شيخ الأزهر ، فإما أن يكون للأزهر فى ذلك الوقت شيخان وهو غير مقبول ، وإما أن يكون الشيخ منصور المنوفى قد عزل في اليوم الأول وولى الشيخ احمد المرحومي مكانه فى اليوم الثانى وهو غير مقبول أيضاً . لأنه لو حدث مثل هذا في ذينك اليومين لأشار إليه الشيخ النابلسي في رحلته .

على أن الشيخ النابلسي يعود بعد هذا فيذكر أنه قابل الشيخ الأول في يوم ١٠ من جمادى الثاني ، وقابل الشيخ الثاني في يوم ٢٥ من جمادى الثانى ، وهو في ذلك أيضاً يصف كلا منهما بما وصفه به في الأول من أنه شيخ الجامع الأزهر ، والظاهر من هذا أنه يجرى فيه على وصف ثابت لهما في هذه المدة التي كانت بين المقابلتين ، فلو أخذنا كلامه في ذلك على حقيقته لاجتمع للأزهر في ذلك الوقت شيخان معاً ، وهو ما لم تجر العادة به في الجامع الأزهر ، ولا في التقاليد الاسلامية .

ولا شك أنه لا يمكن الأخذ بقول الشيخ النابلسي في ذلك مع هذا الاضطراب الذى يجده فيه ، ولعل كلا من ذينك الشيخين كان شيخ رواق من أروقة الأزهر ، فالتبس من أن هذا على الشيخ النابلسي ذلك الأمر ، وما هو إلا بشر يصيب ويخطىء ، والعصمة لله وحده .

محمد المتعال الصعيدي

تعديل جديد في عقوبات جرائم النشر

يصعب على الذهن الحر أن يسيغ أي حجر على حرية الرأي أو أي اتجاه الى التشديد في المؤاخذة على زلات القلم ؛ وقد كانت النصوص الخاصة بجرائم النشر في مصر موضع تعديلات كثيرة في الأعوام الأخيرة بسبب التطورات السياسية والدستورية المختلفة التي وقعت في هذه الفترة ؛ وأخيراً رأت السلطات المختصة أن

تجري تعديلا جديداً في هذه النصوص ؛ وأن تشدد العقوبة في بعض المواطن قمعاً لنوع سيء من القذف هو التهجم على الاعراض والكرامات الشخصية ؛ وقد كان القانون يعاقب بالحبس أو الغرامة على أمثال هذه الكتابات القاذفة ، وكان اتجاه القضاء في الغالب الى التخفيف والاكتفاء بعقوبة الغرامة ، فنشأ عن ذلك أن ذاع هذا الأسلوب المستهجن من الكتابة في الآونة الأخيرة ذيوعاً مثيراً ، فرأى الشارع في التعديل الجديد وجوب الحكم بالحبس على من بدينه القضاء في أمثال هذه الكتابات

والذي يهم الكاتب أن يسجل من الناحية الأدبية هو أن حرية القلم والرأى لا يمكن أن تتأثر بتشديد النصوص الجنائية في مثل هذه المواطن ، فالقلم يجب أن يتحلى إلى جانب الحرية بخلة الأدب والتعفف عن مس الكرامات والأعراض الشخصية ؛ وما يبعث على الأسف هو أن يضطر الشارع إلى الالتجاء إلى النصوص في تحقيق هذا المثل الذي يجب أن يحققه القلم لنفسه دون إرغام ؛ وقد كان خيراً لو استطاع الكتاب أنفسهم أن يضعوا لأنفسهم دستورهم الخاص ، وأن تحدد حدود الجدل والنقد بسائر صنوفه بحدود متينة من النزاهة والعفة والترفع عن لغو القول ؛ والقانون الانكليزي يعاقب السب والقذف الشخصيين بعقوبات شديدة رادعة ، ولكن يندر أن تتورط صحيفة انكليزية في مثل هذا الجرم ؛ والصحافة الانكليزية تضرب أرفع الأمثال لادب الحوار والجدل وعفة النقد والمناقشة ؛ فماذا يضيرنا أن نهتدى نحن في كتاباتنا بهذه المبادىء السامية ؟

وثيقة دبلوماسية فرعونية

أضحت مواثيق عدم الاعتداء من أهم عناصر السياسة الدولية الحاضرة ؛ ولكن هنالك ما يدل على أن هذه المواثيق التي استحدثتها السياسة الدولية بعد الحرب ، ليست من ابتكار الدبلوماسية الحديثة وحدها ، ففي تراث المصريين القدماء ما يدل على أنهم عرفوا مواثيق الاعتداء قبل آلاف الأعوام ؛ وهنالك وثيقة مدهشة من هذا النوع عثر عليها الأستاذ دنكان العلامة الأثرى الأمريكي ترجع إلى نحو ثلاثة آلاف عام ، وتعتبر بحق أقدم وثيقة دبلوماسية وصلت إلينا

وهذه الوثيقة عبارة عن نقش على صفحة فضية يحتوى على نصوص ميثاق بعدم الاعتداء عقد بين الملك رمسيس الثاني وبين ملك الحيثيين خيثاسار ، وذلك في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ومن الغريب أن هذه النصوص لا تبعد كثيراً عما تستعمله الدبلوماسية في عصرنا عدا بضع فروق وصيغ يسيرة ؛ فعنوان الوثيقة مثلاً هو : « ميثاق سلام وأخوة دائمة » ، ويلى ذلك نصوص الميثاق وهي مدمجة في ثماني عشرة مادة هذه أهمها : « يتعهد الحيثيون والمصريون كل قبل الآخر أن يلجأوا في تسوية جميع الخلافات التي تنشأ بين الدولتين إلى الوسائل السلمية وألا يلجأوا في تسويتها إلى القوة والعنف » . فأى فرق بين هذا النص وبين النصوص الماثلة في مواثيق عدم الاعتداء المعاصرة ؟ أما ضمان التنفيذ فى هذا الميثاق القديم ، فقد رجع فيه إلى ما يتفق وروح العصر الذي وضع فيه ؛ ومن ثم فقد نص فيه على ما يأتي : « إذا ارتكب أحد الفريقين المتعاقدين ما يخالف هذا الميثاق الأبدي ، فقد حلت عليه لعنة جميع الآلهة المصرية والآلهة الحيثية »

ولم يقل لنا التاريخ القديم كم دام مفعول هذا الميثاق بين الفريقين المتعاقدين ؛ ولكن الأستاذ دنكان يؤكد لنا أنه قد دام بلا ريب أكثر مما دام مفعول ميثاق تحريم الحرب الأمريكي بين الدول ، أو ميثاق لوكارنو بين ألمانيا والحلفاء السابقين .

وان هذا الاكتشاف لأقدم وثيقة دبلوماسية يضيف آية جديدة إلى تراث الفراعنة ، وما يزال هذا التراث كل يوم يتكشف عن عجائب وحقائق جديدة تدلل على ما وصلت إليه الحضارة الفرعونية في النضج وروعة الابتكار .

قرآن ...!

يتلوا القراء في النقلة ( ١٣٨ ) في هذا الجزء من ( الرسالة ) قرآن ذاك الأعرابي الجلف أو القرآن الأعرابي أو تلك الأفكوهة ضاحكين . وإني أضيف في هذا الموطن أن هناك قرآنا إلحادياً مجوسياً دسه الداس بل الدساس (۱) في سورة (النجم) : «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ـ تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن ترتضى – ألكم الذكر وله الأنثى ، تلك إذن قسمة


(۱) الدساس : من الحيات الذى لا يدرى أى طرفيه رأسه وهو أخبث الحيات ، أحمر كأنه الدم ( اللسان )

ضيزى » وهناك قرآن قارسى شعوبي بثه راويه الحبيب المتحذلق النبي في القرن الثاني أو الثالث مرفوعاً معنعنا وحشره في سورة (العصر) : « والعصر إن الانسان لفي خسر - وإنه فيه آخر الدهر (۱) . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر » وهناك غير ذلك ، وعند الطيالسي والترمذي ماعندها . وأنى يكون ما كذبوا ؟ كيف وهناك ثلاثة وأربعون كاتباً من كتاب الوحى ، وقد جمع القرآن قبل أن أظلمت بفقد رسول الله هذه الدنيا ، وقد كتبت النسخ غير المعدودة ، الكثيرة في زمن النبي (صلوات الله عليه) وصاحبيه وقد ملأت المصاحف في وقت الفاروق بلاد الاسلام كلها جماء « وإن لم يكن عند المسلمين إذ مات عمر مئة ألف مصحف من مصر إلى العراق إلى الشام إلى اليمين وما بين ذلك - فلم يكن أقل » كما قال ابن حزم وما مصحف عثمان إلا المصحف النبوي البكرى العمري ، مازاد وما نقص . وقد عرف ذو النورين ألحان العرب - ولسان الكتاب المصرى والعربية لغات ، والعرب أمم ، وقد انتشروا في الأرض ، ورأى الاحتفاظ بإملاء القرآن ، فكتبت تلك المصاحف المسماة بالعثمانية . وأعجب العجب وأكذب الكذب هذه الرواية : « لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه . فقال : قد أحسنتم وأجملتم أرى فيه شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها » وقد حار أبو بكر السجستاني صاحب ( كتاب المصاحف ) في هذا الكلام وقد رواه فقال : « هذا عندى يعنى بلغتها وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز (۲) في كلام العرب جميعاً لما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرأونه » ثم سطر السجستاني بعد قليل : « . . عن الزبير أبي خالد قال : قلت لأبان ابن عثمان : كيف صارت (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) ما بين يديها وما خلفها رفع وهى نصب ؛ قال من قبل الكتاب الخ » فهل كان الزبير أبو خالد يعرف هذا الاصطلاح المولد في فن النحو أعنى الرفع والنصب ؛ وهل كان يجرؤ أو شيء منه في أيام أحد من الصحابة أو بعدهم بعدة طويلة ؟ وهل هذا لحن أو خطأ وقد بينه سيبويه في كتابه (۱) وأوضحه علم العربية ؟ وكيف لم يستفد السجستاني وأمثاله من ( الكتاب ) وقد جاءوا من بعد صاحبه وقرأوا علم الخليل وأماليه فيه ؟ وهل بني العلماء ( علم العربية ) إلا على قرآن العربية ؟ وكيف اجترأ السجستاني أن يروى عن سعيد بن جبير أن مثل « فأصدق وأكن من الصالحين » (۲) لحن وهو في القرآن العربي وهو في كلام العرب وشعرهم ؟

دعنى فاذهب جانبا يوماً وأكفك جانباً (۳)

وقد كشف الخليل ( قاعدته ) أيما كشف ، وبيانه في ( الكتاب ) .

إني لأقول هازئاً : الحق أن في الكتاب لحنا - كما افترى المفترون على عثمان وكما قولوه - لكن العرب ما أقامته بألسنها ولن تقيمه أبداً ، وما اقتدر في هذا الدهر على إقامته وإصلاحه إلا أمثال رجال التضليل ( أي مبشرى البروتستانت ) وهاشم العربي (٤) ( بل الأعجمي ) في (تذيله ) على ( مقالة في الاسلام ) معلمين الخليل وسيبويه والكسائي والفراء ما جهلوه ، وهاذين العرب الصرحاء الأفحاح إلى الذي لم يعرفوه . وهو الحياء فاذا فارق المرء فارتقب كل عجيبة . . .

وبعد فان كان كتاب كل أمة أو ملة فيه تبديل وتحريف وفيه زيادة ونقصان ؛ وفيه الخطأ والخطل ، وكان كاتبه غير صاحبه ف « ذلك الكتاب لا ريب فيه » « إنا نحن نزلنا الذكر ، وإنا له لحافظون »

الشاشيي


(۱) راجع كتاب سيبويه الجزء الأول الصفحة (٢٤٨)
(۲) راجع سيبوه ، الأول ، الصفحة (٤٥٢) والمفصل الصفحة (٢٥٥)
(۳) عمرو بن معدي كرب
(٤) عزى ( التذييل ) في حياة ( الشيخ اليازجي ) إليه فبرأ منه ثم عصب به مبشرو البروتستانت بعد وفاته : كتبوا في آخره : هاشم العربي الشيخ اليازجي وكلام التذييل ملآن بالأغلاط الصرفية والنجوية واللغوية ، واليازجي على كثرة خطئه في اللغة ـ لا يجهل كل هذا الجهل.

رسم توضيحي لبئر السبع

تاريخ بئر السبع وقبائلها

تأليف عارف العارف قائمقام بئر السبع

تعد منطقة بئر السبع أكبر مديرية في أرض فلسطين لأنها تشتمل على نصف مساحة أراضيها ، وهى بلاد شاسعة الجوانب بعيدة الأطراف ، وليس لها حدود طبيعية تفصلها عن شبه جزيرة طور سينا وبلاد شرق الأردن.

وتقع هذه الناحية على طريق القوافل العربية ، مثل قبائل سبأ ومعين وحضرموت وثمود التي كانت تأتى إلى أسواق كنعان وإسرائيل وأرام لعرض البضائع المختلفة ، كما كانت طريق الجيوش البابلية والأشورية والفارسية واليونانية والرومانية الزاحفة لفتح الديار المصرية ، وكما كانت طريق الجيوش المصرية المتوغلة منذ زمن بعيد في الديار الشامية والعراقية الشمالية.

***

يفتتح المؤلف كتابه « تاريخ بئر السبع وقبائلها » بذكر الروايات التي وردت في الكتب القديمة عن بئر السبع وعن الشأن الخطير الذي كان لتلك الأرجاء في عهد بني اسرائيل الأول أى من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس ق . م . أى من عهد وفاة موسى إلى زمن بختنصر ملك بابل.

وقد اعتمد المؤلف في هذا البحث على ما ورد في أسفار الكتاب المقدس وحده مع أننا نعتقد أنه لو راجع أيضاً الروايات القليلة المبعثرة في كتب المشنا والتلمود وذلك أمر سهل عليه لأنه يتقن العبرية - لوقف فيهما على أخبار مهمة عن بني اسرائيل والعرب في تلك المنطقة من جنوب فلسطين.

ونلاحظ أيضاً أنه كان حرياً بالمؤلف أن يذكر اسم هذه المنطقة في الآداب العبرية القديمة ، فقد سميت في التوراة باسم نجيب أى الجنوب ، وعرفت في الطور الثاني من حياة بني اسرائيل بفلسطين أى بعد رجوعهم من بابل باسم الداروم ، أى الجنوب أيضاً وعرفها العرب المسلمون بهذا الاسم أيضاً في عصر البعثة الاسلامية وزمن الخلفاء الراشدين ، فقد ورد في سيرة ابن هشام أن أسامة بن زيد بن حارثة أرسل على رأس جيش صغير إلى الشام وأمر بأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين.

ولب موضوع الكتاب قد تضمنه البابان الثالث والرابع ، لأن المؤلف يبحث فيهما عن الأحاديث والأخبار المتعلقة برجال القبائل في بئر السبع ، ويتكلم عن الحروب التي وقعت بينهم وبين القبائل القريبة منهم والنائية عنهم وقد أبان المؤلف في هذين البابين عن مقدرة فائقة على تنظيم المعلومات الغزيرة التي جمعها بمثابرة ودأب من أفراد القبائل الضاربة هناك ، ففتح لنا بذلك عالماً عظيم الشأن كنا نجهله مع قربنا منه واتصالنا به ، وإذا كان المستشرقون قد جاءوا إلينا بأخبار عن حياة القبائل في بئر السبع فان كل ما ذكروه منها لا يكاد يذكر بالنسبة إلى ذلك الفيض الدافق من المعلومات التي قدمها عارف بك العارف ، وذلك يرجع إلى أنه من أهل البلاد وحاكم على البدو.

ويجد القاريء في هذين البابين كثيراً عما ورد في المصادر العربية عن أيام العرب في الجاهلية ، كما يجد فيهما صورة مصغرة لحياة بني اسرائيل الفطرية في عصر القضاة قبل أن يأخذوا نصيبهم من الحضارة في أرض كنعان.

ونود أن نلاحظ أن كثيراً مما ذكره رجال البدو لمؤلفنا بعيد عن الحقيقة التاريخية وليس إلا محض خيال لانهم لم يدونوا شيئاً ولم يكتبوا حوادثهم ولا قيدوا أنسابهم وإنما هي روايات ينسجها خيالهم وفقاً لمصلحتهم وتبعاً لأطماعهم.

فما يقولونه من أن أغلبهم أو أن جميعهم وعلى بكرة أبيهم إنما

نزحوا إلى هذه الديار من الجزيرة العربية ليس إلا نظرية ساذجة لا يقبلها عقل الباحث السليم ، فان مما لا شك فيه أن عدداً «عظيما» من هذه البطون ليس إلا سلالة تلك القبائل التي غمرت تلك الديار منذ أزمان بعيدة وأحقاب طويلة فمنهم بلا شك بقية تلك القبائل التي كانت في هذه المنطقة قبل الفتح الاسرائيلي مثل العمالقة والمدينين والادوميين ، ثم منهم بقية البطون الاسرائيلية مثل بني شمعون ودان ويهوذا ، وكذلك لا ننسى وجود أرهاط من الانباط في هذه النواحى القريبة من شبه جزيرة طور سينا ، ولا ننسى كذلك أن هناك أفخاذاً من قبائل يمنية قديمة وصلت من أقصى بلدان الجزيرة إلى هذه الأماكن منذ زمن قديم.

ولا شك أن العرب أخذوا يتسربون إلى هذه المناطق قبل الاسلام بعدة قرون واستوطنوا بعض أماكنها كما استوطنوا النواحى الاخرى من صحراء سوريا وتخوم بلاد العراق والشام.

وقد ذكر المؤلف ، وحق له أن يذكر ، أن هناك بعض قبائل تمت بصلة إلى الافرنج الصليبيين.

ونحن نعتقد أن البحث الدقيق في اللهجات المختلفة يساعد الباحث على كشف الغطاء عن هذه المشكلة الجنسية العويصة التى تبلبلت فيها الأجناس البشرية ، وقد نرى في بعض الالفاظ المستعملة هناك بقية باقية من الاستعمال العبري القديم مثل كلمة نقابة عند البدو في هذه الأنحاء فهي تدل على المعابر والمسالك المنيعة في الجبال لانها وردت في مخطوط عبرى يرجع إلي القرن السابع ق . م.

وقد أحسن المؤلف بذكره نماذج من شعر أعراب القبائل ولكن فاته أن يأتي بمثل ذلك من رطانهم العربية ، ولو أنه فعل لقدم خدمة جليلة للبحث العلمي اللغوى حيث كان يمكن أن نقف على لهجاتهم وأن ندرسها دراسة علمية ونقارن بينها وبين اللهجات العربية الأخرى وتبين ما فيها من الالفاظ الغريبة التى جاءتها بلا شك من اللغات السامية الأخرى.

ولا نستطيع أن نكف أنفسنا عن التساؤل : لماذا صقل المؤلف الأحاديث التي سمعها من الأعراب صقلاً عربياً صحيحاً وفصيحاً؟ ولماذا لم يتركها في لغتها البدوية الطبيعية والفطرية ؟ ...

لذلك نلح على المؤلف وتشتد في الالحاح أن لا ينسي حين يقبل على طبع كتابه الطبعة الثانية أن يضيف إليه جملة أحاديث وأقاصيص الكثير من رجالات الأعراب من نواح مختلفة بلهجاتهم الطبيعية ورطانتهم الفطرية دون أن يتعرض لها بشيء من الزيادة أو الحذف.

ثم يأتي بعد ذلك الباب الخامس الذي يشتمل على تاريخ بئر السبع على مر الأحقاب من أقدم الأزمنة التاريخية إلى يومنا الحالي.

وثمة أمر آخر له خطره ، وهو أن المؤلف الذى يتقن العربية والعبرية لم يقع فى ذلك الخطأ الفاحش الذي وقع فيه غيره من المؤلفين الشرقيين الذين يجهلون اللغات السامية ، وهو أنهم لا يضبطون كتابة أسماء الأماكن وأسماء الأعلام كتابة صحيحة كما ينطق بها أهل الشرق بل يكتبونها كما هي مدونة عند الغربيين الذين لا يستطيعون نطق الأسماء الشرقية نطقاً صحيحاً دقيقاً.

أما مؤلفنا فكان في أغلب هذه الاحوال محسناً لكتابة هذه الالفاظ بضبطها الصحيح.

ولنا في هذا النوع بعض ملاحظات على مؤلفنا منها أنه لم يكن يجوز لعالم مثله أن يستعمل اسم البتراء دون أن يشير إلى اسمها الحقيقي القديم الذي منه اشتق كلمة بتراء المحرفة ، فالمؤلف يعرف أن البتراء التى تعرف اليوم بوادي موسى كانت عاصمة لبنى أدوم قديماً ثم للأنباط في العصور المتأخرة ، وقد عرفت باسم سلع ومعناه : الصخرة ، ثم جاء اليونان وترجموا بهذه الكلمة إلى اليونانية وأطلقوا على هذا المكان اسم بترا أي الصخرة أو الحجر.

وكان عالمنا المرحوم أحمد زكي باشا كلما قرأ لبعض الكتاب كلمة بتراء بدلاً من سلع هاج وماج لانه يعرف أن العرب أنفسهم كانوا يستعملون في القديم كلمة سلع لا كلمة البتراء ، وقد أشار الى ذلك في جملة مقالات نشرت بجريدة الاهرام قبل وفاته بزمن قليل.

وفي الباب السادس يبحث فى حالة بئر السبع في وقتنا الحاضر ، ومع أنه موجز فانه شامل كامل لان المؤلف من الافراد المعدودين الذين خبروا البلاد خبرة وافية.

ولا ننسى أن نشير الي تلك الخريطة المفصلة لفضاء بئر السبع فهي بلا شك أول خريطة علمية دقيقة مبينة لمواطن القبائل العربية ومعينة لاسماء الأمكنة في تلك البيداء الشاسعة الاطراف.

أسرائيل ولفنسون ( أبو ذؤيب )
أستاذ اللغات السامية بدار العلوم