الملك غازي بن فيصل : للأستاذ عبد الرحمن عزام بك
الدول الصغيرة والكبيرة : للدكتور محمد عوض محمد
مع أديباتنا المعاصرات : طه حسين بك
١٢ ذكرى الأربعين لوفاة الأستاذ الهراوى : لقسم التحرير المختص
١٣ امتحان ... : للأستاذ أحمد أمين
١٦ أثر المرأة في أدبائنا المعاصرين : توفيق الحكيم
19 الجاحظ والسياسة ... : سعيد الأفغاني
٢٣٠٠ الجمال . : ا. ض
٢٤ أميرة هندية في حديقة : المحرر « الثقافة » الفني
٢٥ سيد ربيعة : كليب التغلبي : للأستاذ محمد فريد أبو حديد
٢٩ بين السياسة والأدب : أحمد خاكي
٣٣ نوافذ الأدب إلى النفوس : محمد خلف الله
٣٦ الأمراض المتوطنة وأثرها في تطور التاريخ : الدكتور محمد خليل عبد الخالق بك
٤١ أنباء وآراء : لقسم التحرير المختص
٤٥ من أحسن ما يروى : للأستاذ أحمد الزين
٤٧ أب يناجى طفله : أحمد محمد إبراهيم نار
٤٨ العنكبوت : عبد الحميد الدواخلي
ربع العالم الإسلامى وجزعت الأقطار العربية ، عامة والبلاد العربية خاصة ، ليعرب عما للعراق من مكانة وسرى الأسى والحزن والفزع والهلع لذلك النبأ المفاجئ ، وما كان للملك الشاب فى القلوب من حب وما كان لها فيه من رجاء .
والطب الفاجع ، لموت الملك الهاشمي ملك العراق ، في عنفوان شبابه ، وقاتحة عمله لخير أمته . ذلكم قدر لم تكن لأحد فيه حيلة ، وقد وقع الخطب وإن هذا الجزع الذي تردده أنباء البلاد الإسلامية وقضى الأمر . وليس هذا الرزء وإن جل بأعظم من أن
يحتمله العراق المجاهد الصابر ، ولا أفدح من أن تثبت له قواه وتستقل به عزائمه وتتسع له حكمته ويدبر له حزمه . فأملنا في أهل العراق أن يتلقوا الحادث الكارث، بما عهد فيهم من الثبات في النوائب والصبر على الكوارث ، وتلقى المصائب بالعقل المفكر والرأى الحازم والعمل الموفق .
***
قد حزن أهل العراق على ملكهم وشاركهم الحزن المسلمون والعرب وكثير غيرهم ، وسيقضى عليهم حبهم ووفاؤهم أن يطول حزنهم ، ولكن لا ريب أنهم يلقون الخطب الجلل بعدته من الثبات وكفايته من الحزم وجمع الكلمة وحشد الأفكار والعزائم للمضى على الخطة المجيدة التي اختطها فيصل وخلفه عليها الغازى رحمهما الله .
***
كان الغازى رحمة الله عليه ملكا محبوبا ، قريباً إلى النفوس متواضعاً . يقل التحدث عن عمله . وكان ملكا دستوريا يحترم القوانين ويحب أن تحترمها الحكومة ، وكان بتربيته العسكرية يحرص على النظام ، ويحب أن يحرص الناس عليه.
وكان في حياته الخاصة رياضياً محباً للفروسية والصيد ، والرياضة قرينة الدمقراطية والتواضع .
وكان مولعاً بالآلية (الميكانيكا) ، وكان يحرص على أن يكون له عدد من السيارات المختلفة ، وكان له طيارات خاصة ، وفي داره أجهزة للمذياع ، وكان يرى هذا كله بنفسه ، ويعالجه بيده ، ويتخذ من نفسه مهندسا . وما كان هذا الحادث المشئوم إلا من هذا الولع بالسيارات ، والإسراع بها ، والمخاطرة فيها .
***
لن فقد العراق رجاءه فى الغازى ، فما فقد رجاءه في العراق العظيم ، فالعراق المجيد حي لا يموت . فليحن أهل العراق على ملكهم الطفل ، ويجتمعوا حوله إجلالا للعرش ، ووفاء الفيصل والغازي ، وإجابة للخلق العربي ، وحرصاً على وطنهم ، وسيراً إلى المجد على السبيل التي خطوها لأنفسهم . وسيجدون بعد قليل على عرش العراق فيصلا الثاني ، كما وجدوا من قبل فيصلا الأول والغازي ، ملكا مقداما محباً لأمته ، تسير وراءه أمة مصممة على أن تبلغ غايتها من المجد والعظمة .
وإن لنا في العراق وأهل العراق لرجاء عظيما . حقق الله الرجاء ، ورزقنا فى الملك الفقيد حسن العزاء ، وهيا للعراق في حاضره ومستقبله كل خير .
عبد الرحمن عزام
كما يتفاوت الأفراد قوة وثروة وخطراً ، كذلك تتفاوت الدول ، فمنها الصغيرة والكبيرة . وهذه الظاهرة ركن خطير من أركان السياسة الدولية ، ولهذا فهي جديرة أن نقف لديها برهة ، لكي تنعم النظر في خصائصها ومغزاها .
لعل ظاهرة التفاوت الكبير بين الدول لم يكن يخلو منها عصر من العصور . ولكن ليس من شك في أنها اليوم أظهر وأقوى مما كانت عليه في أي وقت من الأوقات . فإننا إذا رجعنا إلى خريطة أوربا ، في القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر ، لما رأينا هذه الكثرة العظمى من الدويلات ، والوحدات السياسية ( المستقلة » . ففي عصر فردريك الثاني ملك بروسيا ، كان معظم أوربا موزعاً بين ست دول أو سبع ، متكافئة في القوة إلى حد بعيد ، وليس ينها تفاوت يستحق الذكر .
والفضل في تمزيق أوربا إلى أجزاء متناثرة ، ودويلات مبعثرة على صفحة القارة ، يرجع أكثره إلى فكرة القومية والذهاب في تمجيدها وتقديسها إلى أبعد مدى ، واتخاذها أساساً للحياة السياسية . فأصبحت الدول وينها هذا التفاوت العظيم في مساحة الأرض وعدد السكان ، والقوة المادية والحربية ، والثروة والغنى .
وليس من شأننا أن نتساءل : هل كان هذا المصير أمراً محتوماً ، ليس عنه محيد ؟ أو أن نقول إن إطفاء العاطفة القومية كان أمراً ميسوراً من غير تمزيق الدول ، على نحو ما نراه من وجود القومية الغالية في داخل بريطانيا ، أو الألمانية في ألزاس ولورين ، أو البريتونية في فرنسا ،
حيث نرى كلا من هذه القوميات متمتعاً بما يحتاجه من الاستقلال الثقافى فى وطنه الصغير ، وبنصيب وافر من النفوذ السياسي في الوطن الكبير . نقول ليس من شأننا هنا أن نتساءل عن هذا ، وإنما الذي يهمنا أن ننظر إلى الحالة السياسية الدولية كما هي قائمة ، وأن نفهم الأركان التي تقوم عليها .
ومن أهم هذه الأركان ، بلا شك ، هذا الاختلاف الهائل بين الدول ، وأننا أصبحنا نرى الناس يقسمونها إلى دول صغيرة ، وأخرى كبيرة . أما الدول المتوسطة فقليلة جداً ، وهي في العادة ملحقة بالدول الصغيرة .
وإذا اتخذنا عدد السكان مقياساً وهو على العموم مقياس لا بأس به فإن في أوربا اليوم خمس دول يزيد سكانها على الأربعين مليوناً ، وهي روسيا ، وألمانيا ، وبريطانيا ، وفرنسا ، وإيطاليا (۱) ؛ وهنالك نحو عشرين دولة يقل سكان كل منها عن عشرة ملايين . وهنالك أربع دول في حالة وسط وهى : بولونيا (۳۳) مليونا) ، وأسبانيا (٢٤) مليونا ورومانيا (۱۹) مليونا) ويوجو سلافيا ( ١٥ مليونا ) . وكانت في أوربا إلى وقت قريب دولة أخرى من هذا الطراز ، وهي تشيكوسلوفاكيا ، ثم مزقت . كما هو معروف . وهذه الدول المتوسطة يلحقها الكتاب بالدول الصغيرة ؛ وعصبة الأمم تعترف بهذا ضمناً ، لأنها لا تمنحها الميزات التي تمنحها للدول الكبرى كما سترى .
فالكثرة العظيمة من الدول الأوربية إذا هي الوحدات
الصغيرة . والفرق بينها وبين الدول الكبيرة فرق عظيم جداً . ولقد نشأ عن هذه الظاهرة ما يسمى في الاصطلاح السياسي ( مشكلة » . كما كان وجود القوميات المختلفة في دولة كالنمسا فيما مضى ( مشكلة » . وهذه المشكلة قد حلت مشكلة أخرى لعلها لا تقل عنها تعقيداً وإشكالا .
وقد قام بلب بعض المفكرين الذين سعوا في إنشاء عصبة الأمم أن يخففوا من أثر هذا التفاوت العظيم بين الدول ، بأن يؤلفوا منها جمعية واحدة تنظم العلاقات الدولية وتقيمها على شيء من الانصاف والعدل ، بحيث يستطيع الضعيف أن يأمن عدوان القوى . وكان المنتظر أن تجتمع الدول في هذه العصبة على قدم المساواة ، بحيث يكون لكل دولة صوت مسموع في السياسة الدولية .
و بمقتضى دستور عصبة الأمم نرى حقيقة أن جميع الأعضاء يجتمعون في شهر سبتمر من كل عام فيما يسمى بالجمعية العمومية لعصبة الأمم الأم ، واجتماعهم هذا له من شك مظهر المساواة بين جميع الدول .
ولكن هذه الجمعية العمومية لا تلعب الدور الأساسي في أعمال العصبة ، وإنما القوة الحقيقية في العصبة المجلس العصبة الذى يجتمع عدة مرار فى السنة ، والذي يبت في المسائل الخطيرة . وأعضاؤه يمثلون بضع عشرة دولة فقط ، للدول الكبرى فيه كراسى دائمة (١) ، بينما الدول الصغيرة والمتوسطة تتناوب العضوية فيه من آن لآخر . بناء على انتخاب الجمعية العمومية .
وهكذا نرى حتى عصبة الأمم تعترف صراحة بهذا التفاوت بين الدول ، بحيث يكون للدول الكبرى نفوذ دائم في تصريف شئون العصبة . وقد ذهب كثير من المدافعين عن العصبة إلى أن المساواة التامة بين الدول لو
اتخذت مبدأ لدستور العصبة ، لكان في هذا ما يعجل بالقضاء عليها .
وفي وسعنا أن ننظر إلى دستور عصبة الأمم بأنه على علاته - وسيلة لحل مشكلة الدول الصغيرة ، لو أن العصبة اكتسبت قوة على مدى الزمن ، تستطيع بها أن تمنع عدوان القوى على الضعيف . غير أن العصبة قد ازدادت ضعفا على مر السنين بدلاً من أن تزداد قوة . والفضل في هذا يرجع من غير شك إلى الدول الكبيرة التي لم تستطع أن تكبح جماح رغباتها ، وأبت إلا أن تسلك في معاملتها الشعوب الضعيفة سياسة لا تتفق بحال من الأحوال مع مبادئ العصبة التي هم « أكبر » أعضائها .
ويجمل بنا هنا أن نكون منصفين ، وأن نقرر صراحة أن الدول الكبيرة في هذا الجرم سواء . فعصبة الأمم لم تستطع أن تحاسب بريطانيا على ما تعمله في فلسطين ، من غير ولا فرنسا على ما اقترفته في سوريا . ولا ما ارتكبه اتحاد أفريقيا الجنوبية فى مستعمرة جنوب أفريقية الغربي . وهذه كلها أقطار تحت الانتداب خاضعة لرقابة عصبة الأمم . وللعصبة الحق فى مؤاخذة الدول صاحبة الانتداب على ما ترتكبه فيها من مخالفات صارخة لشروط الانتداب . وقد استطاعت بريطانيا أن تبذل جهداً موفقا في ألا تثار المسألة المصرية في عصبة الأمم ، برغم الأزمات المتعددة بين الدولتين ما بين عام ۱۹۲٤ و ۱۹۳۰ . وإذا كانت إيطاليا وألمانيا واليابان أكثر جرأة في مجابهة العصبة والخروج عليها ، فإننا لا نستطيع أن نبرئ الدول الكبرى الأخرى . فإليها جميعا يرجع الفضل الأكبر في أن وصلت العصبة إلى ما هي عليه اليوم من الضعف والعجز .
وهكذا ترى أن دستور العصبة كوسيلة لحل مشكلة الدول الصغيرة لم يأت بفائدة تذكر ..
لننظر الآن إلى الوسائل الأخرى التي تتذرع بها الدول
الصغيرة لكي تحافظ على كيانها ووجودها . وهي وسائل قد التجأت إليها الدويلات مكرهة في الغالب لا مختارة . فمن هذه الوسائل الاجتماء بدولة قوية بطريقة تذكرنا بقول المتنبي :
وهذا الاحتماء على مراتب و درجات . وفي أحط هذه المراتب يكون استقلال الدول الصغرى استقلالا اسمياً ، ويكون للدولة الكبرى الكلمة العليا فى كثير من الشئون الداخلية والخارجية ، بحيث لا تتمتع الدولة الصغرى من الاستقلال إلا بمقدار ما تسمح به الكبرى . . وربما كان أوضح مثال لهذا ألبانيا وعلاقتها بإيطاليا . فبالرغم مما تتمتع به الأولى من « الاستقلال » وبالعضوية في عصبة الأمم ، فان النفوذ الايطالى أكبر عامل في سياستها الداخلية والخارجية (1) وكذلك كان شأن النمسا يوم أن كانت تحميها إيطاليا ، إلى أن تخلت عنها الألمانيا . ومثل هذا يقال اليوم عن دولة سلوفاكيا الجديدة ، ودولة المجر ، رغم توسعها الحديث ، والنفوذ الألماني في كل منهما .
وهنالك وسيلة أخرى تلجأ إليها الدول الصغيرة ، دون أن تضحى بشطر كبير من استقلالها ، وهي عقد مخالفة مع بعض الدول الكبرى ، التي لها مصلحة واضحة في صيانة تلك الدولة الصغيرة من كل عدوان أجنبي والحماية والدولة الكبيرة في مثل هذه الحال قد تبدل بعض تضحيات أو تنفق أموالا من أجل صيانة حليفتها الصغيرة . وخير مثال لهذا حرص فرنسا على استقلال الدول المحيطة بألمانيا
مثل بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا . وفي العادة يكون بين هذه الدول مخالفات مكتوبة . ولكن هذا ليس بالأمر الضروري . فقد فضلت بلجيكا مثلا أن تقف موقف الحياد ، وألا تتقيد بمخالفات ، غير أن موقعها الجغرافي وحده هو خير محالفة تضمن لها ألا يعتدى عليها دون أن تتقدم فرنسا وبريطانيا لنصرتها .
ولقد خيل لبولنيا وقتاً ما أنها في غنى عن مخالفة فرنسا . ولهذا ظلت زمناً تؤثر الحيدة التامة ، إلى أن اضطرت أخيراً أمام العدوان الألماني الذي يتهددها ، أن تعود إلى سياستها القديمة فتقبل أن تضمن استقلالها بعض الدول الكبرى .
وقد خرجت انكلترة من عزلتها « المجيدة » ، مع أنها لم تكن مرتبطة مع بولنده بمعاهدة أو حلف . وأعلن رئيس حكومتها مرتين في أسبوع واحد أن كلا من انكلترة وفرنسا سيبادر إلى نصرة بولنيا ورومانيا إذا اعتدى على واحدة منهما . وليس من شك في أن الجو السياسي قد ساده شيء كثير من الصفاء بعد هذا البيان الصريح الحازم ، الذى كان العالم ينتظره بذاهب الصبر ؛ والذي لا عيب فيه سوى أنه أنه لم لم يصدر منذ تسعة أشهر . وقد رد عليه الهر هتلر ببيان فيه تراجع واضح عن سياسة التوسع التي كانت ألمانيا ماضية في اتباعها . وأعلن الزعيم الألماني بأن دولته لا ترى إلى فتح أو غزو جديد .
وهنالك وسيلة ثالثة تتذرع بها الدول الصغيرة الحماية استقلالها وكيانها . ولعلها أنبل الوسائل وأشرفها ، ولكنها هي الوسيلة التي منيت بالفشل ولم تصادف نجاحاً إلى اليوم . وهذه الوسيلة قوامها محالف الدول الصغيرة فيما ينها واتفاقها جميعاً على رفع العدوان الذي يقع على واحدة منها . ومن هذا القبيل اتفاق دول الحلف الصغير : رومانيا ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ، والحلف البلقاني . ويمكننا أن نضيف إلى هذين الحلفين التفاهم غير المكتوب
بين دول اسكندناوة : السويد والنرويج والدانمركه وفنلنده ، التي تمتاز بثقافتها العالية ، وبمنعة جغرافية طبيعية ، تساعدها على الاحتفاظ باستقلالها .
ولقد جاء على العالم وقت كان يظن فيه أن الحلف الصغير على جانب عظيم من القوة ، خصوصاً أن بولونيا كانت تعطف عليه ، وفرنسا تؤيده . وبرغم هذا كله قد مزقت تشيكوسلوفاكيا دون أن تتحرك النصرتها دولة أو يناصرها أحد . وليس السبب الوحيد في هذا أن فرنسا قد خذلت حليفتها ، بل لأن كلا من الدول الصغيرة كانت أكثر حرصاً على مصالحها الصغيرة ، خائفة على كيانها الصغير ، وكان عطفها على خليفتها عطفاً لفظياً أفلاطونياً ، لا يرد شراً ولا يدفع عدواناً .
ولم توجد بعد ظروف ترينا هل يكون الحلف البلقاني أكثر قوة وأشد مراساً من الحلف الصغير ، وليس هنالك ما يبعث على الظن بأنه سيكون أقوى منه . والحقيقة التي لا بد لنا من التسليم بها أن الدول الصغيرة كانت دائماً صغيرة في تصرفاتها وفي أعمالها . فهى تشكو الظلم ، ثم لا تلبث أن تقترف الظلم في أول فرصة تسنح ، وتشكو العدوان ، وهى لا تعف عن العدوان متى أمكنتها الظروف . ففي سبتمبر الماضي حينما استولت ألمانيا على بلاد السوديت بادرت المجر بالاستيلاء على جزء من الغنيمة ، واستولت بولونيا على إقليم تشين . وفي الشهر الماضي بعد أن مزقت تشيكوسلوفاكيا ، بادرت هنجاريا إلى الاستيلاء على روتنيا الكرباتية، مع أن سكانها ليسوا من المجر . ثم لم يقف عدوانها عند هذا الحد ، بل تجاوزته إلى التوغل في أرض سلوفاكيا والاستيلاء على شطر منها .
وهكذا أثبتت الدول الصغيرة أنها ليست أكثر رعاية للاداب الدولية ، والحرمة الجوار من الدول الكبرى ، التي تخشى عدوانها . وقد ظهر جشع الدول الصغيرة بوضوح بعد الحرب العالمية ، حينما سعت كل منها في
الاستيلاء على أقطار تسكنها جماعات من شعوب مختلفة عنها كل الاختلاف .. ثم أخذت تمعن في الإساءة إلى هذه الأقليات » بضروب من الإرهاق والاضطهاد . مع أن قوة هذه الدول في تماسك أجزائها ، وتعاون جميع العناصر التي تتألف منها ؛ والكثير منها يشتمل على جماعات يختلف بعضها عن بعض اختلافاً يسيراً ، كما كانت الحال في تشيكوسلوفاكيا ، وكما هي الحال اليوم في يوجو سلافيا . وبدلاً من أن نرى هذه الدول متماسكة الأجزاء متضافرة القوى نراها متخاذلة متنافرة .
فمشكلة الدول الصغيرة ليست براجعة إلى أنها « صغيرة ) فحسب ؛ بل لأنها ، إلى صغرها ، ضعيفة التماسك في داخليتها ، عاجزة عن التعاون الجدى مع دول أخرى صغيرة لدرء ما قد يقع على إحداها من عدوان . على أن مثل هذا التعاون هو الوسيلة الوحيدة الناجعة التي تستطيع أن تضمن بها السلامة والسلم . فان حماية الدول الكبرى ليست بالشيء المضمون ، وهي قلما تكون بلا ثمن باهظ . وقد رأينا الدول الكبرى تتخلى عن تشيكوسلوفاكيا في الخريف الماضي. ولو أن دول التحالف الصغير اتحدت لدفع العدوان، وانضمت إليها بولونيا لتألفت منها جميعاً قوة تمثل أربعة وثمانين مليوناً من الناس ، وأقطار تفوق ألمانيا غنى وثروة . ولو أن هذا حدث لما استطاعت انكلترة وفرنسا التخلف عن نصرة هذه الدول التي بادرت إلى نصرة نفسها بنفسها .
وقد طالعنا بعد الفراغ من كتابة ما تقدم نبأ بأن تركيا تسمى في إيجاد تعاون وثيق بين دول البلقان ، يمكنها من مقاومة أى دولة كائنة ما كانت ؛ وأنها تريد أن تمهد لهذا يحمل رومانيا على إعادة إقليم ديروجا إلى بلغاريا . وهذا الأمر إن تم فانه يغدو أكبر ضمان السلامة هذه الدول . وهو أجل وأعظم من أية وعود يقطعها تشمبر لين أو غيره من الأقطاب الأربعة الذين سمعنا خطبهم في الأيام الأخيرة .
محمد عوض محمد
أطلت التردد قبل أن أفتح هذا الباب من أبواب النقد الذي أبدؤه اليوم لسبب يسير جداً فيما أظن ، وهو أن هذا النقد سيتجه إلى السيدات والآنسات ؛ كما يتجه النقد في الفصول الأخرى ، التي أكتبها إلى كهول الأدباء وشبابهم . وقد تعودت أن أتحدث إلى الأدباء في لهجة مهما تكن رقيقة رفيقة ، فإنها لا تخلو من بعض الشدة والعنف أحياناً ، حتى أصبح النقد الحازم الصارم عادة لى لا أستطيع الانحراف عنها مهما تكن الأسباب والمواطن . وقد عرف الناس منى ذلك فأقروه وعرفوه ، ولم ينكروا إلحاحي فيه وإصراري عليه ، وإنما أنكروا ما قد أصطنعه أحياناً من التلطف والرفق حين يدعو النقد إلى التلطف والرفق ، وحين لا يدعو الأمر إلى الشدة والعنف . والقراء لم ينسوا بعد أن كاتباً أديباً لا منى منذ حين في أني نقدت الأستاذ العقاد فلم أعنف به ولم أقس عليه . ويقال إن كثيراً من القراء ذهبوا مذهب هذا الكاتب الأديب ، فاستضعفوا نقدى لرجعة أبى العلاء ، وذهبوا في ذلك مذاهب مختلفة من التأويل والتعليل . وليس لذلك مصدر إلا أن القراء عرفوا منى العنف في النقد والحزم في التقريظ والاعراض عن المصانعة واللين .
وواضح جداً أني حين أقدم على نقد الكاتبات الأديبات ، مضطر إلى أن أصطنع من الرفق والتلطف
أكثر جداً مما أصطنعه حين أقدم على نقد الأدباء ، لا لأنى أستضعف الأديبات ، وأراهن خليقات بالرفق والتلطف لضعفهن ، فقد برئن من هذا الضعف ونفينه عن أنفسهن منذ وقت طويل ، وقد برأناهن نحن من هذا الضعف ، ورأينا فيهن لنا أمثالا وأنداداً ، وأخذنا أنفسنا بأن نسير معهن سيرتنا مع أنفسنا ، إكباراً لهن واعترافاً بحقهن في هذه المساواة التي يحرصن عليها ، ولا نبخل نحن بها لأنا نراها حقاً مقرراً لا معنى للمناقشة فيه . ولكن للصلات الأدبية بين السيدات والآنسات وبيننا أصولا وقواعد ترتفع عن هذا النحو من التفكير ، وتسمو على هذا اللون من ألوان التقدير ، ولا تقوم على الضعف والقوة ولا على القدرة والعجز ، وإنما تقوم على ما يجب علينا لهن من الرعاية والعناية وحسن التأنى لما تريد أن نسوق إليهن - أستغفر الله – بل لما نريد أن ترفع إليهن من حديث . وأنا رجل رجل قليل الحيلة ضعيف الوسيلة في التلطف والتظرف ، لا أحسنهما ولا أبلغ منهما بعض ما أريد ، تعودت القسوة على الكتاب حين أنقدهم ، وتعودت القسوة على الطلاب حين أعلمهم ، واستقر في نفسى أن التظرف قد يكون خيراً في كثير من المواطن ، وأن الرفق قد يكون واجباً في كثير من الظروف ، ولكنهما لا يلاعان النقد ، ولا يلائمان تقويم الشباب
وتثقيفهم حين يقولون فيشطون ، أو يكتبون فيقصرون . وقد كان من اليسير أن أريح نفسي من هذا العناء ، وأحط عنها هذا الثقل ، وأمضى في نقد الأدباء على ما تعودوا من شدة وعنف ، وأدع نقد الأديبات للذين يحسنون الحديث إليهن والحديث عنهن .. ولكن في هذا ظالماً لا يطاق . وتجاوزاً للقصد لا يقبل من مثلى . فالأديبات ينتجن ، وينتجن آثاراً ليست أقل استحقاقاً للنقد من هذه الآثار التي ينتجها الأدباء ، وما ينبنى أن تهمل إنتاجهن ، وما ينبغي أن نسوء الأدب بالاعراض عن آثار من القيمة مهما يكن اشفاقنا من الجور عن قصد السبيل ، فيما نتحدث به إليهن أو فيما نتحدث به عنهن . وما دمن قد أخضعن أنفسهن لقوانين الإنتاج الأدبى ، فأقبلن على الإنشاء ، ثم لم يكتفين به ، بل أقبلن على الإذاعة والنشر ، ثم لم يكتفين بذلك كله ، بل أردن أن يسمعن أحكامنا على ما ينتجن وآراءنا فيما يذعن وينشرن ، فقد يخيل إلى أننا في حل من أن نتحدث إليهن وعنهن في الأدب ، كما نتحدث إلى الرجال وعن الرجال في الأدب أيضاً . ومن يدرى ؟ لعلهن أن يكن أرحب صدراً وأحسن احتمالا لشدة النقد وعنفه من الرجال . وأكبر الظن أنهن لن يكن أضيق من الرجال صدراً بالنقد ، وأشد منهم ازوراراً عما قد يشيع فيه من شدة وعنف أحياناً . ومن المحقق أن بين الأديب الخليق بهذه الصفة ، وبين السيدات والآنسات شركة لا يمكن أن تنكر ولا أن تجحد ، في قوة الشعور ودقة الحس ، ورقة المزاج ، وشدة التأثر بما يكتب وما يقال . وما أشك في أن هذا الأديب القوى أو ذاك يتأثر بما يكتب عنه أو يكتب له تأثر السيدة أو الآنسة بما يقال عنها أو يساق إليها من الحديث
فلنتشجع إذن ، ولتقدم على نقد السيدات والآنسات في شيء مع ذلك من التحفظ والاحتياط والرعاية المزاجهن ، الذي مهما يقو ويشتد ، فهو مترف مرفه يحتاج إلى شيء من
الرعاية الخاصة فيما توجه إليه من حديث .
وفي مصر كاتبات أديبات ينتجن آثاراً قيمة خصبة لعلها أن تبلغ من الإجادة والاتقان أكثر مما تبلغ آثار الأدباء ، ولعلها أن تظفر من الرقة والدقة ولطف المدخل بما لا تظفر به آثار الأدباء . ولعلها أن تحقق من المثل الأدبية العليا ما لا تحققه آثار الأدباء كذلك ، ولكن لها عيباً خطيراً يؤلم ويلد ، ويحزن ويسر ، وهو أنها لا تكتب بلغتنا العربية ، ولا تبلغ نفوسنا المصرية ، إلا من طريق ملتوية غير مباشرة كما يقال ، وإنما تكتب بلغة أجنبية لا يحسنها منا إلا الأقلون عدداً . تكتب باللغة الفرنسية فيقرؤها الفرنسيون ويرضون عنها ، وقد يعجبون بها ويثنون عليها ، كهذا الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم . فقد كتبته السيدة قوت القلوب الدمرداشية باللغة الفرنسية ، ونشرته فى باريس ، ووصل إلى مصر من باريس ، ولم يصل إلى باريس من مصر . ماذا أقول ؟ بل وصل الثناء عليه إلى مصر من باريس وعرفناه من المقدمة التي قدم بها بين يديه الكاتب الفرنسي المعروف پول موران .
ثم أخذ الأدباء الفرنسيون يقرظونه هنا وهناك ، فكتب عنه في مصر أستاذان من أساتذة الجامعة ، وأثنى عليه في باريس غير كاتب من الكتاب المعروفين . ولم يقرأه مع ذلك من المصريين ، ولا ينتظر أن يقرأه منهم إلا الذين يحسنون اللغة الفرنسية ويذوقونها ، ويجيدون الوصول إلى أسرارها ودقائقها ، وهم فيما أعلم قليلون . وما أرى أن المصريين سيقرءون هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التي سأتحدث إليهم عنها إلا إذا ترجمت لهم إلى اللغة العربية .
فاعجب من كتاب مصرى تنشئه كاتبة مصرية وتنشئه في موضوع مصرى خالص ، يمس حياة المصريين في أدق جهاتها وأعمقها ، وأشدها اتصالا بنفوسهم ، ثم لا يعرف المصريون عنه شيئاً ، إلا من طريق ما يكتبه عنه الأجانب
أو من طريق النقل والترجمة ، إن أتيح لهذا الكتاب أن ينقل أو يترجم .
ومهما يكن من شيء فإني أريد أن أحدثك في هذا الفصل عن كتاب أنشأته السيدة قوت القلوب الدمرداشية باللغة الفرنسية ، فظفر بإعجاب قرائه ، وظفر بإعجاب كثير من النقاد ، وكان خليقاً أن يظفر بإعجاب القراء المصريين والنقاد المصريين . ومما يحزن ويسر أن هذا الكتاب ليس أول كتب السيدة ولا آخرها . فقد نشرت قبله كتاباً آخر باللغة الفرنسية ، وإذا صح ما انتهى إلى من الأنباء فهي آخذة في نشر كتاب ثالث باللغة الفرنسية أيضاً
والكتاب الذي أعنى به الآن واضح من عنوانه فهو يصف الحياة المصرية الخاصة داخل البيوت والقصور في أخص ما يحرص المصريون عليه من أمورهم وأدق ما يضنون به من خاصة نفوسهم . وقد كتب الأجانب كثيراً عن الحياة المنزلية المصرية ، وقد صور الأجانب كثيراً عاداتنا الشعبية ، فأحسنوا وأساءوا ، وصدقوا وكذبوا ، ووفقوا وأخطأهم التوفيق . ولكن السيدة قوت القلوب مصرية تشهد لقومها أو تشهد عليهم لا أدرى ، هي تصور حياتهم كما رأتها ، وتصورها تصويراً دقيقاً صادقاً مطابقاً للواقع من أمرها ، لا تنحرف فيه عن الحق ، ولا تحيد فيه عن الأشياء التي لا سبيل إلى إنكارها ، ولعلنا إن أخذناها بشيء أن نأخذها بالإسراف فى الصدق والغلو في الدقة ، إن كان من الممكن أن يكون في الصدق إسراف وفي الدقة غلو .
وما رأيك في كتاب يعطى أدق صورة وأصدقها الحياة كثير من الأسر المصرية في جدها وهزلها ، وفي العظيم من أمرها واليسير . يصورها جين تنشأ ، ويصورها حين تنمو ، ويصورها حين تلم بها الخطوب ، ويصورها حين يلم بها الفساد الذي يأتيها من الطلاق أو من الموت ؟ فالخطبة مصورة أصدق تصوير وأروعه ، وحفلة الزواج
في اللغة العربية إلى الإنتاج في اللغة الفرنسية أو الانجليزية .
ومن الحق أن نسجل أن هذه الظاهرة المؤلمة ليست مقصورة على السيدات والآنسات ، ولكنها تتجاوز هن إلى الرجال ، ففى مصر كهول وشباب ينتجون آثاراً أدبية رائعة ، ولكنهم ينتجونها في اللغة الفرنسية ويمتعون بها القراء الفرنسيين وأشباههم من المثقفين ، ويصرفونها طائعين أو كارهين عن مواطنيهم من المصريين . ولا بد من أن أتحدث يوماً ما عن هذه الآثار المصرية الفرنسية الرائعة ، ليقدر المصريون هذه الظاهرة الخطيرة التي تسر وتحزن وتلذ وتؤلم كما قلت آنفاً . تسر لأن فيها إذاعة للدعوة المصرية وتعريفاً بمصر والمصريين ، ولأن من الخير أن يقدر الكتاب والشعراء المصريون خارج مصر في البيئات الأدبية العليا . وتحزن لأن من الحق أن يستمتع بها المصريون قبل أن يستمتع بها الأجانب ، ولأن من الحق أن تستأثر اللغة العربية بما ينتج أبناؤها ، وأن تعرفه اللغات الأجنبية بالنقل والترجمة عن اللغة العربية . لا أن يعرفه المصريون و تظفر به اللغة العربية من طريق النقل والترجمة ...
ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة خليقة بالتفكير . فما الذي أنتجها ، وما الذي دعا إليها ؟ وكيف وجد مصريون يبلغون من الإجادة الفنية هذا الحظ العظيم ، وينتجون في لغة أجنبية ، تعرفهم أوربا وتجهلهم مصر ، يستمتع بآثارهم الأوربيون ، ويحرم هذا الاستمتاع مواطنوهم من المصريين . وجه هذا السؤال إن شئت إلى الأسر التي علمت أبناءها في المدارس الأجنبية ، وإلى الدولة التي لم تفرض على هذه المدارس تعليم اللغة العربية لتلاميذها المصريين . ماذا أقول ؟ بل إلى الدولة التي لم تعن بمدارسها حتى صرفت عنها الأسر أبناءها ، والتي لم تعن بتعليم اللغة العربية في مدارسها ، حتى أعرض أبناء مصر عن الإنتاج
مصورة أصدق تصوير وأروعه ، ويوم الزفاف ومقدم المولود وحفلة الأسبوع ، والحياة اليومية في أيام الأعياد وفي أيام الحزن والأسى ، والخلاف الزوجي الذي ينتهى إلى الطلاق ، وما يعقبه الطلاق من البؤس والحزن ، وهذه اللوعة التي تصيب الأسر حين يختطف من بينها زعيمها وحاميها ، وكل هذا لا يصور من بعيد وإنما يصور من قريب جداً ، ولا تنظر إليه الكاتبة من عل ، وإنما تعيش بين الناس ، وتصور ما ترى وما تحس ، وتسجل ما تسمع وما تفهم ، وتؤدى هذا في دقة تضحك أحياناً ، و تخجل أحياناً أخرى . وتدفعنا أحياناً إلى أن نتساءل : أمن الخير أن يعرف الأجانب عنا هذه الهنات وأن يظهروا من دخائلنا على هذه الأسرار ؟ والشيء الذي لا شك فيه أن طلاب الفولكلور سيقدرون للسيدة قوت القلوب كتابها ، وسيشكرون لها جهدها . فقد أهدت إليهم وثيقة خصبة لن يقصروا فى استغلالها ، والانتفاع بها فيما يكتبون من أبحاث . فقد صورت لهم خرافاتنا وسخافاتنا في دقة لا مزيد عليها . لم تهمل العناية بالورد والياسمين والبصل والثوم في شم النسيم ، ولم تهمل سحر السحرة ، وشعوذة المشعوذين وما يكون لهما من أثر خطير في العلاقات الزوجية في بعض الأسر . ماذا أقول ؟ بل هي لم تهمل ولادة المولود ، وما يحيط بها من السخف ، وما يحيط بها من الخوف ، وما يحيط بها من الهذيان . فهذه أم الفتاة التي يتعسر عليها الوضع ، تلح في أن يكون الوضع في هذه الغرفة لا في تلك ، لتستطيع أن تدس إلى ابنها الحلوى وأطايب الطعام . وهذه أم الزوج تريد أن يكون الوضع في هذه الغرفة لا في تلك ، لأن في هذه الغرفة بركة ، ولأن لها أسراراً . وهؤلاء النسوة يشرن على الزوج الفتى ، حين يتعسر الوضع ، بأن يلبس ثوبه مقلوباً ، ويطوف به في الدار ليسوء الجنيات اللاتي قد يحببنه ، وقد يردن السوء بامرأته .
وهذا أبو الزوج يأخذ مشط الفتاة ، فيتلو عليه سورة من القرآن أثناء ساعة طويلة ، ثم يرده إلى شعرها ليصد عنها العقاريت وشياطين السوء .
وأمثال هذه المناظر كثيرة ، يمتلى بها الكتاب . وتستطيع أن تنظر من خلال الأستار ، أو من ثقب القفل أو من تنايا النوافذ ، لترى هؤلاء النسوة ، وقد جلسن يتحدثن ويشربن القهوة ، ويلغطن بالسخف والخرافات ، حول موقد يحرق فيه الطيب ، وهن بدنون منه ، فيطيبن ثيابهن من أعلى ومن أسفل ، ليتلقين أزواجهن بالطيب حين يأوى الأزواج إلى المضاجع إذا تقدم الليل . ومما لا شك فيه أن الكاتبة الأديبة قد ظفرت في كتابها الفرنسي بحرية فنية لا يظفر بها أمثالنا نحن المصريين من الكتاب البائسين ، الذين يكتبون باللغة العربية ، فيرعون الذوق المصرى والعرف المصرى ، ويسرون أكثر مما يظهرون ، ويخفون أكثر مما يعلنون ، وهنا تعرض مسألة لا بأس بأن يقف عندها الأدباء ، وهي مسألة الحرية الفنية ، التي لا يظفر منها الكاتب العربي إلا بأيسر حظ وأقله ، على حين يبلغ منها الكاتب الأجنبي أقصى ما يريد ، وأكثر مما يريد .
ولو أن السيدة قوت القلوب كتبت كتابها هذا باللغة العربية ، لاضطرت إلى أن تلغى منه الشيء الكثير ، مراعاة للذوق المصرى والعرف المصرى . فلمن كتبت هذا الكتاب ؟ كتبته لنفسها أولا ، كما يصنع كل أديب حين يسجل خواطره وآراءه ، وكتبته للقراء الأجانب بعد ذلك في أكبر الظن . ولست أدرى أراضية هي عن أثرها الأدبى ، ولكني أعلم أن الأجانب الذين قرءوه راضون عنه كل الرضى ، يرون فيه لذة فنية ، ويرون فيه لذة علم بما لم يكونوا يعلمون ، ويرون فيه هذه اللذة التي نحسها حين ينبئنا منبي بالأشياء الغريبة الطريفة النادرة ، فنود لو تعلم أكثر مما علمنا ، ونسمع أكثر مما سمعنا ، ونرى أكثر مما رأينا .
وقد تسألني عن رأيي أنا في الكتاب : أراض أنا عنه أم ضيق به ؟ فأما من الناحية الفنية الخالصة ، فأنا راض عن الكتاب ، مثن عليه ، آسف لأنه لم يكتب باللغة العربية ، حريص على أن يترجم إلى هذه اللغة . وأما من الناحية المصرية الخالصة فقد أتحفظ في هذا الرضى بعض الشيء ، لأن الأجانب يسجلون علينا ما سجلته السيدة قوت القلوب ، وأكثر مما سجلته ، فلندع لهم ذلك . وفي حياة المصريين ما نستطيع أن نقدمه إلى الأجانب ، فنسرهم وترضيهم ، ولا نضحكهم . ولست أرى بأساً بأن يكتب هذا الكتاب فى لغتنا العربية ، لتظهر على نقائصنا فنصلحها ، وعلى محاسننا فنتزيد منها . ولست أرى بأساً بأن يترجم هذا الكتاب عن لغتنا إلى اللغات الأجنبية ، فيعرف الأجانب أننا لا نشفق من تسجيل عيوبنا . والجد في إصلاحها . فأما أن نصور هذه النقائص مباشرة في لغة أجنبية ، لا لنظهر نحن عليها ، بل ليظهر عليها غيرنا، فهذا الذي أقف منه موقف التحفظ ، ومن المحقق أني لن أقدم عليه . وليقل الناس إلى ضعيف ، فإني أوثر هذا الضعف .
على أن في الكتاب قصصاً أخرى تؤثر ونعجب بغير هذه النقائص والعيوب ، بما تضطرب به نفس الكاتبة من عواطف الخير والرحمة والإشفاق . والقصة الأخيرة في الكتاب جميلة حقاً ، لأنها تصور تصويراً مؤثراً ساذجاً الانحدار من العزة إلى الذلة ، ومن السعادة إلى الشقاء ، ومن نعيم الثروة إلى جحيم الفقر والإعدام . وهل تأذن لى الكاتبة في أن ألاحظ ، في رفق ، أن الذين يقرءون كتابها قد يخدعون عنها أحياناً ، وقد يظنونها فرنسية ، تكتب عن المصريين ، قد علمت من أمرهم كثيراً جداً ،
وجهلت منه مع ذلك ما لا ينبنى أن يجهل ، فشيخ الاسلام مثلا عندها هو الرئيس الأعلى للمؤمنين ، صفحة ٦٢ ، وهو عند المصريين شيخ الجامع الأزهر ليس غير . . والرئيس الأعلى للمؤمنين هو الخليفة إن وجد . ومحمد وأحمد اسمان لا بنين من أبناء النبي صلعم ، وهما عند المسلمين اسمان من أسماء النبي نفسه . وليس من أبناء النبي من سمى بهذا الاسم أو ذاك .
ومهما يكن من شيء ، فإن الذي دفع السيدة قوت القلوب إلى أن تكتب كتابها القيم الجميل باللغة الفرنسية ، هو الذي خيل إليها أن شيخ الإسلام هو الرئيس الأعلى للمؤمنين ، وأن محمداً وأحمد هما من أسماء أبناء الني
أنعذرها في ذلك أم نعتب عليها ، أم نعدل عن العذر والعتب إلى الثناء على ما في كتابها من جمال فنى يلذ ويمتع . ويمكن القارىء من أن ينفق في قراءته وقتاً مريحاً حقا ؟
طه حسين
***
مثل أحاديث جدتي
: بقلم الآنسة سهير القلماوى
تتحدث فيه عن العصر الذي سبق الاحتلال الانجليزي حديثاً مشوقاً صورت فيه الأسرة المصرية تصويراً دقيقاً .
كتب مقدمة هذا الكتاب الدكتور طه حسين بك في ١٥ صفحة . والكتاب مطبوع طبعاً متقناً على ورق صقيل في ۱۱۹ صفحة . ويطلب من لجنة التأليف والترجمة والنشر 9 شارع الكرداسي بعابدين .
قد فوجئت ( الثقافة » كما فوجئت أسرة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، بنبأ وفاة عضوها العزيز الأستاذ محمد الهراوى ، رحمه الله ، فلم تستطع تستطع أن تنفس على صفحاتها عن حزنها ، ولا أن تبدى فيها ما أحست من فجيعتها .
لقد مضى أربعون يوماً خلا فيها مكانه من مجالس لجنة التأليف ، وكان من قبل يملأه بشراً وفضلا ، ويفيض منه على حلقة الأصدقاء وفاء وحباً ، فقد كان كبير القلب ، خالص الصدر ، نقى الطبع ، حلو العشرة . كان رحمه الله في حياته يسير على سجية الشاعر المطبوع ، من رقة الحاشية ولين الجانب ، وقوة العاطفة ، وسمو الأمنية .
أما مكانه في الأدب فلا تتسع له هذه السطور القليلة ، فلقد كان من شعراء مصر الذين تتطلع إليهم الأنظار في كل موقف ، وتصيخ إليهم الآذان في كل موطن لا تكاد حادثة من الحوادث الجلى تمر من غير أن تكون لصوته فيها رنة عذبة ، ولا تكاد تثور مسألة إلا كان له فيها قولة مشجية :
وكان شعره مطبوعاً لا تكلف فيه ، سلس الأسلوب ، حلو الديباجة ، تمازجه صراحة البدوى ، ويخالطه تواضع الصوفى . . لا يشوب شعره ادعاء ولا يتخلله زهو ، ولا يمتزج به رياء .
وقد أدى خدمة جليلة للتربية الأدبية فى مصر بتأليفه تلك المجموعة الفذة ة . من شعر الأطفال الذي لا يزال مادة لغنائهم ومورداً عذباً لسمرهم . وهي مجموعة لا يستطيع مثلها إلا مثله ، ممن صفا قلبه ورقت نفسه وامتلأ بحب الانسانية والاخلاص لها ...
فلئن خلا مكانه من حلقة إخوانه فان ذكراه لن تزال في قلوبهم ماثلة وفضائله بينهم خالدة ، ولئن كان الصديق لا يملك في المواساة إلا دمعه فان الشعر مدين له بأعظم دين ، فلن تخلو صحف الأدب المصرى من ذكراه ، ولن تنسى النهضة الشعرية أن تسجل اسمه بين بناتها الذين قضوا أيامهم يرددون أناشيد أمانيها .
كتاب السلوك
لمعرفة دول الملوك ، للمقريزي
أتمت اللجنة طبع القسم الثالث من الجزء الأول من كتاب ( السلوك » للمقريزي وبهذا ينتهى الجزء الأول ، وقد قام على نشره الدكتور محمد مصطفى زيادة الأستاذ المساعد بكلية الآداب .
وهذا القسم الثالث مكمل من عدة نواح للقسمين الأول والثاني إذ صدره الناشر بمقدمة تحليلية للجزء الأول كله ، وذيله بسبعة عشر ملحقا تفسيريا من مخطوطات أخرى ، كما اتبع ذلك بكشاف في خمسين ومائة صفحة .
ويطلب من لجنة التأليف والترجمة والنشر ومن المكاتب الشهيرة ، وثمنه خمسة وعشرون قرشا صاغا عدا أجرة البريد
قام في نفسي أن أجمع ثلاثة من أولادي في مراحل التعليم المختلفة ، وألقى عليهم سؤالا طريفا ، لأتبين عقليتهم ، وأخبر تفكيرهم ، فسألتهم على التوالى : :
- لماذا تذهب إلى المدرسة ؟
فأما أصغرهم ، وهو في « روضة الأطفال » فقال :
أذهب إلى المدرسة لا تعلم لغة عربية ، وحسابا ، وخطا ، وأشغالا
وأما الذي في السنة الرابعة الابتدائية فقال :
أتعلم لأخذ الشهادة هذا العام وأدخل المدرسة الثانوية .
وأما كبيرهم وهو في مدرسة الهندسة فقال :
لأتم دراستي ، وأحصل على الشهادة ، وأوظف
وأردت أن أعمل عمل المدرس ، فأزن الاجابة وأعطى درجات عليها ، فرأيت أنى لو دققت في التصحيح الأسقطتهم جميعا ، فما شيء من ذلك يستحق أن يكون إجابة صحيحة ، ولا شبه صحيحة .
عيب هذه الاجابات أنها تركز أغراض التعليم في ثلاثة أشياء : حشو الذهن بالمعلومات ، ونيل الشهادة ، والحصول على الوظيفة . وليس شيء من هذا هو غرض المدرسة الحقيقي في نظري .
أظهرت عدم الرضا لأبنائي عن إجابتهم فقال أكبرهم : إذن نغير الموقف ، فأكون أنا السائل وأنت المجيب
قلت : لك ذلك .
إن على سائلنا أن نسأله والعبء لا تعرفه أو تحمله
إن أهم وظيفة للمدرسة أنها تعلمنا كيف ننتفع بتراث السابقين ، فمنذ كان الانسان على ظهر الأرض وهو يجرب ويتعلم ، ويتبين الخطأ والصواب ، ويصل إلى نتائج بعضها يبقى على مر الزمان لصحته ، وبعضها يذهب مع الريح لفساده. وقد قام بهذه التجارب ملايين الناس ، واشتغلت بتحقيقها ملايين العقول ، وضحيت في سبيل فحصها وامتحانها ملايين الأنفس . وكان العالم كله في هذه الأزمان كلها عبارة عن ( معمل » تشتغل فيه كل هذه الملايين على التعاقب ، « فيحللون » و « يبحثون » ، ويرصدون نتائج بحثهم . وكثيراً ما كانوا يفشلون في تجاربهم وتحليلهم ، فيبدءون العمل من جديد بفرض جديد ، حتى يصلوا إلى النتائج الصغيرة بعد العناء الكبير . وهم لا يصلون إلى هذه النتائج إلا على جسور من رءوس الضحايا .
وقد قدمت هذه القضايا التي أنتجتها الأجيال السابقة للأجيال الحاضرة في شيء اسمه «كتاب » . ولو أخذنا أي كتاب مدرسي ، مهما صغر حجمه ، في أي موضوع من موضوعات العلم والأدب ، سواء كان طبيعة أو كيمياء أو بلاغة ، أو نحوا وصرفا ، أو هندسة ، أو جغرافيا .. وأردنا أن نعرف تاريخ كل قضية فيه ، لعجزنا عن عدد الذين ذهبوا ضحيتها فى البحث والتجربة ، وإعمال الذهن ، وسهر الليالي ، وتكبد الأسفار ، ومعاناة التحقيق فما أكثر الضحايا الذين ذهبوا حتى وصلنا إلى أن «الأجسام تتمدد بالحرارة » ! وما أكثر من ذهبوا في سبيل تدوين أحكام « الفاعل ونائب الفاعل » ! وما أكثر عدد العقول
والنفوس التي ذهبت في سبيل تحقيق أن « الأرض تدور .. حول الشمس » ! وهكذا .
ولعل النظر إلى الكتب على ضوء هذا البيان يفيدك يا بني - في تعرف أي الكتب المدرسية صالحة للبقاء وأيها صالحة للإعدام ، فما لم يحمل إلينا من الكتب تجارب الأقدمين وينر لنا السبل في حياتنا الحاضرة لا يستحق البقاء ؛ بل هذا أيضاً يعينك على أن تحكم على منهاج الكتب ومبلغ رقيها فى فن التأليف ، فما لم تبعث فيك روح النهوض واستخدام ما فيها في هذه الحياة واستحثاتك على إصلاح حياتك وحياة غيرك وتقديمك الحياة خطوة عمن سبقك فلا قيمة لها
إن أكبر فارق بين الإنسان والحيوان - يابني - أن الحيوان لا يستفيد جيله الحاضر من تجارب أجياله السابقة ، فالنحل يعمل الآن ما كان يعمله أيام آدم ، لم يتقدم في نوع معيشته ولا في قرص عسله ولا في بناء مسكنه ، وكذلك شأن كل حيوان ؛ ولكن كم من الفروق بين عيشة الإنسان الأول والإنسان الآخر والإنسان في الكهوف والإنسان في القصور ! . وعلى الجملة فالإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعيش كل جيل منه على أكتاف من سبقه . ويبنى كل جيل طابقاً جديداً في قصر الانسانية . فالمدرسة تعلمنا تاريخ التجارب الإنسانية السابقة ، وتعلمنا كيف نبنى عليها طابقنا الجديد . فالم نبن بناء جديداً لم نستحق اسم الإنسانية .
تغرس في نفوس التلاميذ من أول روضة الأطفال هذا المبدأ بالوسائل التي تختلف بساطة وتركباً حسب استعداد الطفل ، حتى إذا سئل كل تلميذ : لم يذهب إلى المدرسة ؟ أجاب أنه يذهب إليها ليتعلم كيف يكون إنساناً يستحق اسم الإنسانية . ومهما اختلفت الإجابة حسب السن والعقلية ، فلن تعدو هذا المعنى الأساسي .
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نلخص مناهج الدراسة بأنها « تاريخ الإنسانية كلها أو جزء منها في نواحيها المختلفة أو ناحية منها حسب استعداد الطالب لتناولها » . وهذا يشمل كل فرع من فروع العلم ، فكل علم في الواقع هو تاريخ الإنسانية في ناحية من نواحيها أو جزء من أجزائها ، حتى النحو والصرف هو تاريخ الإنسانية في لسانها ، في جزء من أجزائها .
وفائدة هذا النظر أنه يطلعك على موضع الفساد في برامجنا ؛ فإذا درسنا في التاريخ تاريخ الملوك وحدهم وأهملنا جوانب الشعب كان تاريخاً ناقصاً مبتوراً ، لأنه أطلعك على جانب صغير من جوانب الإنسانية ، حيث كان في إمكانك توسيع هذه النواحي ؛ وإذا كان درس البلاغة لا يمكنك من فهم بلاغة الأقدمين ، ولا يعينك على أن تكون بليغاً في حاضرك فلا قيمة له ، لأنه ليس من تاريخ الإنسانية في شيء إلا أن يكون تاريخاً للسخف فيها ، وليس موضع هذا المدرسة . وتستطيع أن تقول هذا في كل علم ، وكل فرع من فروع العلم .
. ومدرسة تفضل مدرسة بمقدار ما تلقى من هذا الضوء على ناحية و تبعث من هذا الروح ؛ فالمدرسة التي تعلمك أنك تذهب إليها لتنجح في الامتحان فقط ، أو تأخذ الشهادة فقط ، أو توظف فقط ، لا تستحق إلا أن تغلق ، لأنها تبعث أفكاراً ميتة وتوحى آراء جامدة . وليس يستحق البقاء إلا مدرسة تعلم كيف كان الناس يحيون ، وكيف يحيون الآن ، وكيف ينبنى أن يحيوا في المستقبل . ثم هي
كذلك إذا كان منهج في الدراسة يطلعك على ناحية من نواحى الإنسانية فى عام ، ومنهج يطلعك على الناحية نفسها في عامين ، فالأول أفضل بداهة . ففضل منهج على منهج في أنه يكشف لك جانب الإنسانية الذي تريده من أقرب طريق .
ومهمة واضع البرامج ومظهر براعته في أن يعرف أي نواحى الإنسانية أهم للطلبة في بيتهم الخاصة ، وأى منهج
من مناهج التعليم يوصل إلى الغرض في أقل زمن ممكن . لهذين الغرضين تذهب إلى المدرسة .
هذا يابني - جانب واحد من جانبي الإجابة على السؤال : ( لماذا تذهب إلى المدرسة ؟ » وهو الجانب العقلي للموضوع ، وهناك جانب آخر لا يقل عن هذا شأنا وه الجانب النفسي .
إنك تذهب إلى المدرسة لتربي نفسك حتى تتحقق سعادتك ويسعد بك غيرك ، فإنك تحمل في داخلك أنواعا من القوى ، من شهوات وإرادة وعقل .
ووظيفة المدرسة الصالحة أن تعلمك كيف تخضع شهواتك لعقلك ، وأن تقوى إرادتك لتكون القوة التنفيذية لحكم العقل على الرغبات والغرائز والمشاعر . إن المدرسة تكون في داخلها مثلا أعلى من مجتمع صغير ليتكون من نفسه فيما بعد مثل أعلى للمجتمع الكبير . إنها تعلم كيف يسعد الفرد بالتعاون مع رفقائه ليتعلم بعد. كيف يستعد بالتعاون مع أفراد أمته . إنها تعلمك من أنت في نفسك ، ومن أنت
في مدرستك لتعرف بعد من أنت في قومك .
***
لشد ما أخشى أن يغار رجال التعليم في مصر على مدارسهم فيستملوا الإجابة منها ويطبقوا ورقة الامتحان عليها ، فيعطوا إجابتي ( صفراً »
أحمد أمين
رحلات منتظمة فخمة وسريعة الاسكندرية جنوى مرسيليا وبالعكس
على البواخر العظيمة النيل كور شركة مصر للملاحة البحرية جنوا MISR
مكتب اعلانات مصر احدى موت العالم
اطلبوا الاستعلامات وتذاكر السفر من مشتركة مصر للسياحة ١٨ شارع ابراهيم باشا بالقاهرة تليفون ٤٥٩٦٠
أستأذن قبل كل شيء الدكتور طه حسين بك في استعارة بعض عنوانه المعروف ، ولن أجور بعد ذلك على اختصاصه ؛ فأن كل ما يعنيني اليوم من أمر أدبائنا المعاصرين هو ذلك الجانب المجهول المستور الذي لا يحبون أن يكشفوا عنه للناس . إن أدباءنا يعلمون - بحكم ثقافتهم واطلاعهم في تاريخ حياة العظماء - أن المرأة كانت في أكثر الأحوال ذات أثر بارز ، لا في تلوين حياتهم وحدها ، بل في توجيه أعمالهم وتصريف أقدارهم ؛ فهنالك ملكة سبأ في حياة سليمان ، وكليوباترا عند قيصر وأنطوان ، و جوزفين مع ناپليون ، وهنرييت في عمل رينان ، وملتون وابنته ، وكارل ماركس وزوجته ، وابراهام لنكولن وقرينته . بل عندنا خديجة والنبي محمد ومؤازرتها إياه في مبدأ جهاده ، ثم أثر بقية النساء في حياته ، فلولا هن ما نزلت بعض آيات القرآن . ذاك أثر المرأة في الأنبياء والعظماء . أما أثرها فى الشعراء والأدباء ، ورجال الفن والفكر ، فهو يكاد يعد في حكم الناموس ؛ فما من شاعر أو أديب أو فنان عاش كل حياته وأنتج كل عمله ، بعيداً غن امرأة أو شبح امرأة أو ذكرى امرأة .
فتش عن المرأة » ينبغي أن ترسخ في ذهن كل مؤرخ أو أديب أو فنان . وهذا ما حدث بالفعل ، ويحدث كل يوم في تلك الكتب التي تظهر بين آن وآن ، حاوية التراجم هؤلاء الرجال ، باحثة ظروف تآليفهم ومؤثرات أعمالهم . ترى هل في مقدور مؤرخ أن يدرس أثر المرأة في أدبائنا المعاصرين ؟
آه . الويل للمؤرخ الذي يفعل ذلك ! إنه لن يستطيع في سهولة أن ينفذ إلى حياة أدبائنا الخاصة فهم ما زالوا في حالة ( حجاب ) ، وقد وضعوا على منابع وحيهم . ومصادر مشاعرهم الخلاقة ، نقاباً كثيفاً كنقاب المرأة المصرية قبل السفور . إنهم ما زالوا يحمرون حياء دونه حياء العذراء كلما لمس أحد الباحثين ذلك النقاب الذي يخفى عواطفهم الدفينة ، أو ذكرى خفقات قلوبهم القديمة . . ولم يؤمنوا بعد بأن طبيعة عملهم تقتضيهم أن يصدقوا الناس والتاريخ عما في نفوسهم من مشاعر خفية . فما الفنان إلا رجل عرض قلبه ونفسه للتشريح العام أمام البشرية والزمن ...
فنحن إذن في موقف غريب : إن سفور المرأة في مصر قد سبق سفور الأديب . من أجل هذا نرى أن جانباً كبيراً من أدبنا الحديث ما زال أدباً « حبيساً » تفوح منه رائحة الحجرة المغلقة. أدب صناعة ، وأدب ( علب محفوظة من التعبيرات والأساليب والدراسات المستخرجة من خزائن الأقدمين . أما أدب الهواء الطلق ، أدب .
التعبير عما في أعماق النفس في حرية وأمانة وإخلاص ، أدب الحياة النابضة بتفاصيل المشاعر الآدمية . هذا الأدب الخارج من القلب ليخاطب كل قلب على وجه البسيطة . هذا الأدب العالمي الذي يؤثر في نفس كل أمة وكل جنس وكل آدمى ، لأنه نبع صافياً خالصاً حاراً من قلب آدمى . هذا الأدب حظنا منه قليل ، لأن حظنا من الصراحة والصدق قليل .
***
مع ذلك فان هذا القليل يكفينا في الوقت الحاضر ، على شرط أن نتعهده بالعناية وحسن الالتفات . إن من بين أدبائنا المعاصرين من خرج سافراً من الحجرة المغلقة ، ليكشف للناس عن بعض مشاعره الخاصة في شجاعة وصراحة . فهذا « طه حسين » المقدام على عادته قد أعلن للناس في كتابه « قصص تمثيلي » ذلك الاهداء الجميل : « إلى زوجى التى جعل الله لى منها نورا بعد ظلمة . وأنسا بعد وحشة ونعمة بعد بؤس أرفع هذا الكتاب » .
ثم تلك الصفحة الرائعة التي صدر بها كتابه « مع المتنبي » : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .... صدق الله أيتها الزوج الكريمة وتمت كلمته ، ففي ظل هذه المودة درست هذا الشاعر العظيم ، وفي ذرى هذه الرحمة أمليت هذه الفصول . وإن قلبي ليملؤه البر ، ويغمره الحنان حين أذكر ما كنت تبدئين وتعيدين فيه ، أثناء ذلك من حث لى على الراحة ، ورغبة إلى في التروض ، وإلحاح على في الاستمتاع بنعيم الحياة ، وجمال الطبيعة في جبال الألب ، وما كنت ألقى به عطفك من إباء وإعراض ، وما كان يثور في نفسك من غضب مصدره الرحمة والاشفاق ، واني لأعلم أني كنت في ذلك قاسياً جافياً ، ولكني أعلم أنى مدين لهذه الجفوة ، وتلك القسوة بهذا الكتاب ، فأذنى لى في أن أقدمه إليك ، لعله ينسيك من ذلك ما لا تزالين تذكرين » .
بذلك يكشف طه حسين للناس عامة ، والمؤرخيه خاصة ، منبعاً صافياً من منابع نبوغه ، ومصدرا من مصادر إلهامه . بل إلى أعتقد أن أثر زوجه الفاضلة قد جاوز دائرة هذه الحياة الفردية إلى محيط الأدب العربي الحديث في كثير من نواحيه . فهى فضلا عن تمهيدها طريق اللقاء بين أفكار الغرب وأفكار الشرق في صالونها الأسبوعي المشهور ، تعد إلى حد كبير صاحبة الفضل في ظهور كتب لها منزلتها في التراث الأدبي العربي الحديث .
***
وإلى لفخور.. إذ أتاحت لي الظروف يوما أن أسجل في كتاب لطه حسين كان لى حظ المشاركة اليسيرة فيه هذا التقديم : « إلى التي كانت تشيع ذهابنا إلى القصر المسحور ، وتتلقى عودتنا منه بنظرات حائرة ، وبسمات ساخرة ، ولكن فيها مع ذلك الرحمة والاشفاق والتشجيع ، لأنها تعرف كيف تحيى زهرات الأدب ، وتبعث نشاط الادباء »
وتلك حقيقة واقعة إن هذه السيدة قد خلقت لتؤدى رسالة أدبية جليلة . .. إن في حديثها لروحا يبعث دائما كل نشاط عقلى ... ما عدت مرة من صالونها الأدبي ، إلا شعرت في نفسي برغبة في إخراج كتاب جديد . تلك سيدة سوف ينصفها تاريخ آدابنا في يوم من الأيام .
ذرى هذه حالة ظاهرة لعين الباحث . ولكن هنالك حالات مستورة لم ينوه عنها أصحابها إلا تلميحاً ، فعلينا إذن أن نستخرج مكنونها من بين السطور . فذلك « هيكل » في قصة «زينب» قد وصف امرأة ؛ لكنه لم يخبرنا أهي امرأة حقيقية رآها في الواقع يوما فألهمته هذه القصة ، أم أن الأمر كله من صنع الخيال ؟ على أن « هيكل » فيما أذكر قد تحدث في موضوع آخر عن سيدة أوربية قابلها في بعض أسفاره بالخارج ، حدثته كثيرا وحدثها في شئون الأدب ، فما غادرته حتى استقر في نفسه العزم على كتابة القصة . إنه إذن قد لقى فى حياته هو أيضا امرأة أثرت في عمله ووجهته بعض التوجيه .
ثم يأتى « العقاد » بقصته «سارة» فيضع تحت أنظارنا صورة امرأة لا شك عندنا في أنها حقيقية ، وأنه قد التقى بها وجها لوجه ، وأنه انتفع بها كثيرا في دراسته لتفاصيل خلق المرأة وطباعها . وأنها قد أثرت في مجرى حياته عن بعض التأثير ، و عدلت أو أضافت إلى عامه بالحياة الشيء الكثير . ووجه يقيني بكل هذا أن العقاد كاتب صادق ، قليل الالتجاء إلى الخيال والاختراع . وهو على الرغم من ابتعاده عن الكلام فى شئون نفسه على محو مباشر ، فاننا نستطيع أن نعرف من مجرد مقال له ماذا أكل أمس وماذا شرب وماذا قرأ ، وماذا يحب من ألوان الهو ، وماذا يستظرف من أنواع الحيوان .
***
. إن الصدق هبة « العقاد » ، كما أن الكذب هبة المازني » ، وهنا لا أجد أعسر على من البحث عن أثر المرأة في حياة المازني . إن المازني أكثر الكتاب تصويراً لنفسه ولحياته وبيته ، ومع ذلك فالويل لمن يؤرخ له . إن قدرة المازني في الخيال والاختراع ، واختلاط حقه بباطله قد أسدل حجاباً كثيفاً على وجهه الحقيقي . فأنا في الحقيقة عاجز عن أن أستخلص من بين رواياته الكثيرة اللذيذة التي تعج بالنساء المدللات ، والأوانس الرشيقات ، امرأة واحدة أستطيع أن أقول إنها كانت صاحبة الشأن الأول فى حياته . على أن الذي لا شك فيه عندى ولا نزاع أن هذه المرأة موجودة بالفعل ، ولولاها ما استطاع المازني أن يكتب قصصا .
***
هنالك بعد ذلك حالة أخيرة لأدباء أثرت في تكوين ثقافتهم نساء فضليات . ومع ذلك لم يجر على أقلامهم وصف مسهب لامرأة . من بين هؤلاء ( مصطفى عبد الرازق » . إلى موقن بأن هذا القلم الذي يسيل رقة وعذوبة لا يمكن أن ينبع وحيه من صحراء الكتب الصفراء وحدها . ومن بين هؤلاء أيضاً « أحمد أمين » وقصته عجيبة ! فإني منذ وقت غير بعيد أتأمل أمره وأسأل نفسي :
كيف استطاع هذا الباحث الجاد في تاريخ الأدب والمؤرخ الجاف للعقلية الإسلامية أن يكون أديباً ذا أسلوب مضىء كضحى اليوم الصحو الجميل ، وأن تنم كتاباته أحياناً عن فهم للقلب والعواطف، مع اتساع أفق وسلامة ذوق ؟ و خامرني شك في طبيعة المؤثرات التي طرأت على حياته الذهنية والنفسية . فتحريت ، فانكشف الأمر لى عن حقيقة ستدهش قراءه كما أدهشتني ! نعم . هو أيضا قد أثرت في حياته امرأة ، استغفر الله ، بل امرأتان . هما سيدتان انجليزيتان . لن أقص الظروف التي التقى فيها بهما . فالذي يعنيني هنا الآن النتائج التي خرج بها الأديب من هذا اللقاء . لقد أثرت إحداهما في ذهنه وتفكيره بثقافتها الواسعة ، وأثرت الثانية فى قلبه ومشاعره بجمالها ونبلها وغادرتاه منذ أمد بعد أن تركتا وصنعتا « عقلا وقلبا » يطلق عليهما الناس اليوم اسم : « أحمد أمين» .
فأدباؤنا المعاصرون لم يشذوا إذن عن الناموس ، فهم أيضاً يدينون للمرأة بما دان به كل شاعر وفنان ...
وبعد ، فأرجو ألا يدهش القارئ لصدور هذا المقال من «عدو المرأة» . إن روح الانصاف في دمى ، فقد نشأت في بيئة القضاء ، وكنت أنا نفسي من رجال القضاء قبل أن أخصص حياتي نهائيا للقلم . على أني أحب أن أسترعى النظر إلى ظاهرة جديرة بالتفكير .. إن القارئ قد لحظ من غير شك أن المرأة التي أثرت في عمل أدبائنا المعاصرين هي في أغلب الأحوال امرأة أوربية : فرنسية أو انجليزية أو إسرائيلية أجنبية . ولعله يتساءل :
- أين المرأة المصرية ؟ أتراها مشغولة حتى الآن بصنع « التواليت » وقيادة السيارات ولعب الورق في الحفلات ، بدلا من صنع العقول ، وقيادة القلوب ، واللعب بمصائر الرجال وأقدار المشاهير ؟ ؟
إن روح الانصاف تمنعنى من الإسراع بالجواب قبل بحث هذا الموضوع .
توفيق الحكيم
لا تكون في الدنيا دولة جديدة خلقتها القوة وأيدها السيف ، إلا صانعها الرأى العام وألهها ، وطلب لها كل خير ، مبالغة في كسب مرضاتها ، وحفظا لدمه ، وإبقاء على نفسه .
وأخر بهذه المصانعة أن تكون أبعد مدى ، حين يكون أمر الدولة إلى زعيم واحد تسلط بهيبته وبأسه هذه حال الناس في القرن الأول المنشأ الدولة العباسية ، حكومة جديدة سندتها سواعد الفرس الأشداء ، عصبية على الدولة البائدة فيما أظهروا ، وعلى العرب عامة فيما هو الواقع . فمن المعقول ألا يرتفع في ذلك الجو الرهيب ، صوت عميل لا يرضاه أولو الأمر ، أو دعوة إلى نزعة غير نزعتهم ...
أنت الدولة العباسية ، والمسلمون أهواؤهم السياسية شتى : فمن عرب خلص ساءهم سطوة هذه الأعاجم ، وقبضها على أعنة الحكم ، فتوا إلى عزتهم وعلو كلمتهم ، خالصة أيام الأمويين ، الذين عقد الاجتماع على خلوص صبغتهم الدولية . وأنها عربية محضة ، لم يجعلوا الجنس آخر سبيلا إلى المداخلة والاستمتاع بشيء من الحكم ، حرموا ذلك غير العرب حتى في الأحلام بشهادة الجاحظ نفسه ومن فرس وأتراك وموال ، هو اهم على العرب مؤتلف ، شدوا أركان هذه الدولة لا حبا وهياما بالعباس وأولاده ، ولا بعلى وسلالته ، بل وسيلة إلى أمر أعدوا له العدة ، وهو استرجاع ما فقدوا من مكانة وحكم ، وكلهم إما قائد أو دهقان أو رجل خطير .
وهناك طائفة ثالثة نستطيع أن نقول إنها ابتعدت عن العصبية الجنسية العمياء ، وأثر في نفوسها الدين ، فعزفت عن مظالم الأمويين التي يقيمونها مواسم بين الحين والحين ، ضحاياها المتطلعون إلى الحكم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . هذه الطائفة هي التي رأت شيئا من الاستقرار في عيشها وأهوائها ، وإن لم يخل الأمر من وقائع في آل البيت ، وكل ما تريده أن يحافظ لها على دينها وأن يحترم شعورها ، ثم هي تؤتى العباسيين ما شاءوا من طاعة ومال ، وهؤلاء هم سواد الناس يومئذ .
هذا إلى أحزاب غير هؤلاء وأولئك ، جمعت كل زمرة منهم نحل وأهواء ، نعد بينهم شيعة العلويين المخلصين ، الذين شروا أنفسهم في سبيل دعوة آل البيت ، وجلة هؤلاء من الخواص والأشراف .
من كل ما تقدم نستطيع أن نعرف الفرق التي كانت تخشاها دولة بني العباس أول أمرها ، ولاشك في أن أشدها إخافة لها الفرس الذين ما فتئوا يمنون على الدولة خلقهم لها وقيامها بهم . فكان هم أولى الحزم والبصر من العباسيين القضاء على هذا النفوذ المخيف ، فبطشوا بهذه الأمة بطشتين بئيستين ، ما يزال دويهما في آذان الناس كلما قرأوا التاريخ : أما الأولى فقتل الداعية أبي مسلم الخراساني ، وكسر قناة الفرس به ، وأما الثانية فالوقيعة في آل برمك . ولقد ارتاعت قلوب الشعوب لذلك ، فطرحت وساوسها وأحلامها منصاعة البأس الدولة .
والفرقة الثانية التي حسبت لها دولة بني العباس أشد الحساب ، هي أولاد على وشيعتهم . ونفوذ هؤلاء مختلف عن نفوذ أولئك ، لأنهم ملكوا القلوب بحبهم وجاههم ومكانهم من النبي ، فكان يرى الشعب فيهم أنبياء صغاراً يلتف حولهم ويعلق بهم آماله في الدين والدنيا . ولم يزل أكابر هذه الشيعة - وأكثرهم ذو بصر محنك وعالم -- یزیدون لها هذه الرفعة فى القلوب بمكارمهم ومعاليهم . حتى كان من ذلك كله أن اشتد العباسيون على العلويين شدة . أنست الناس عهد بني مروان ومظالمهم في آل البيت .
هذا عمل آل العباس فيمن خالف هواهم مستنداً إلى قوة مادية أو معنوية : بطئ شديد وقضاء عليه مبرم ، أمام شيعته وعلى رءوس الأشهاد . فما هو خطر الجاحظ - وله سقنا كل هذا التمهيد - إذا رأى غير ما يرى أولياؤه ؟ وما هو بالغ من الأثر في نصر عقيدته السياسية لو جهز بها ؟ لا خطر ولا أثر البتة ، ولئن فعل ليذهبن طعمة السيوف ثم لا يجد من يبكيه . فليسبح إذا بحمد دولتهم وليشد بذكرهم ، وليلتمس وجوه الدفاع عنهم حتى فيما يعتقد فساده .
ليس الجاحظ بالواسع الغنى حتى يجوز أن نرى له التزام الحياد والسكوت على الأقل ، لا يشد أمر العباسيين ولا ينتقض عليهم ، وليس كذلك بالشريف ذي الحسب الرفيع يمت إلى نبي أو خليفة ، كل ما في الأمر أنه مولى ، فعليه أن يلزم شأن الموالي .
والحق أن الله آتى الجاحظ عقلاً حصيفاً ونظراً بعيداً ، ونفاذاً إلى أسرار الأمور ، فدان الله في سره بما اعتقده حقاً ، ثم شايع أصحابه أولياء الأمور ، فمدح منهم ما يذمه العربي أشد الذم : إنهم أهملوا العرب واصطنعوا الموالى والفرس والترك والديلم قادة ورؤساء ووزراء . فكان هذا سما بطيئاً مزدوج الأثر ، استطاعوا أن يشدوا بهم الدولة زمناً يسيراً ، ما لبث أن صاروا بعده عبيداً لمن اصطنعوهم ، فقرضوا هذه
الدولة التي كانت كما قال حافظ رحمه الله :
عرف الجاحظ كل ذلك ، لكنه عوضاً عن أن ينبه إليه ويدل على الضعف فيه ، نافق فأثنى عليه كأنه الحزم عينه ، وراح يشيد بفضل هؤلاء الموالي ويؤلف الرسائل في فضائلهم ومناقبهم ، تزلفاً إلى الرؤساء والوزراء الذين هم من صميمهم ومادتهم . وهو بطبعه لا يستطيع عزلة عن السياسة والسياسيين ، لأن منهم معاشه . صاحب ابن الزيات وأهدى إليه كتابه (الحيوان) ، كما أهدى إلى عدوه الوزير من بعده أحمد بن أبي دؤاد كتابه (البيان والتبيين) ، وكما أهدى إلى الفتح بن خاقان رسالة ( مناقب الترك وعامة جند الخلافة ) ، وإلى إبراهيم الصولى كتاب ( الزرع والنخل )
فهو إذا كان يقوم بعمل الداعية لهؤلاء السادة وجندهم المختلط ، ولهذا يصعب علينا أن نأخذ آراءه السياسية على أنها آراء حرة شخصية . بل يفيد أن نلاحظ طبيعة الحكم في عهده وأنه إلى الاستبداد أقرب . وإذا نستطيع أن نلمس الملق والدعاية في كلامه الذي ذهب فيه إلى رد الحكم إلى فرد ، قال :
وقضية واجبة : أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد يجمع شملهم ويحميهم من عدوهم ، ويمنع قويهم عن ضعيفهم . وقليل لهم نظام خير من كثير لا نظام لهم ولا رئيس عليهم ... إلى أن قال : ولو لم يقم الله للناس من